وَرَكَدَتْ لَهَا الْبِحَارُ وَالأنْهَارُ ، وَخَضَعَتْ [ لَهَا الْجِبَالُ ، وَسَكَنَتْ لَهَا الأرْضُ بِمَنَاكِبِهَا ، وَاسْتَسْلَمَتْ لَهَا الْخَلَائِقُ كُلُّهَا ، وَخَفَقَتْ ] « 1 » لَهَا الرِّيَاحُ فِي جَرَيَانِهَا ، وَخَمَدَتْ لَهَا النِّيرَانُ فِي أَوْطَانِهَا ، وَبِسُلْطَانِكَ الَّذِي عُرِفَتْ لَكَ بِهِ الْغَلَبَةُ دَهْرَ الدُّهُورِ ، وَحُمِدْتَ بِهِ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرضِ « 2 » ، وَبِكَلِمَتِكَ كَلِمَةِ الصِّدْقِ الَّتِي سَبَقَتْ لأَبِينَا آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ بِالرَّحْمَةِ .
وَأَسْأَلُكَ بِكَلِمَتِكَ الَّتِي غَلَبَتْ كُلَّ شَيْءٍ ، وَبِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي تَجَلَّيْتَ « 3 » بِهِ لِلْجَبَلِ فَجَعَلْتَهُ دَكّاً « 4 » وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً « 5 » ، وَبِمَجْدِكَ الَّذِي ظَهَرَ عَلَى طُورِ سَيْنَاءَ « 6 » فَكَلَّمْتَ بِهِ عَبْدَكَ وَرَسُولَكَ مُوسَى بْنَ
شرح
وركدت : أي ذلّت واستقرّت في مجاريها ، ولم يرد بالركود السُّكون - ضدّ الحركة - لأنّها غير ساكنة .
وخضعت - بالضاد والعين المهملة - : من الخضوع . وفي بعض النسخ : « وخفقت » بمعنى : اضطربت وتحرّكت وتصوّتت .
وخمدت . . . إلخ : أي سكن لهبها في أماكنها . ويحتمل أن تكون نار الخليل ، أو نار فارس التي أخمدت ليلة مولد النبيّ صلى الله عليه وآله ، أو هي نيران اليهود المشار إليها بقوله تعالى : « كُلَّما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها اللَّه » « 7 » أي كلّما أرادوا محاربة النبيّ صلى الله عليه وآله غُلبوا ولم يظفروا .
وفي هذه الفقرات إشارة إلى البسائط الأربع « 8 » ؛ فإنّ العمق الأكبر إشارة إلى العصر الترابي ، والبحار والأنهار إلى المائي ، والرياح إلى الهوائي ، والنيران إلى الناري ، وهذا يسمّى في علم البديع بالترتيب .
وبسلطانك . . . إلخ : أي بحجّتك وبرهانك الغالبة أبد الدهر .
هامش
( 1 ) . من مصباح المتهجّد وبحار الأنوار .
( 2 ) . في مصباح المتهجّد وبحار الأنوار : الأرضين .
( 3 ) . التجلّي : عبارة عن ظهور اقتداره تعالى للجبل ، وتصدّي أمره وإرادته .
( 4 ) . أي : مدكوكاً ؛ وقيل : مستوياً مع وجه الأرض .
( 5 ) . أي : خرّ مغشيّاً عليه غشية كالموت من هول ما رأى .
( 6 ) . في تكرار « طور سيناء » دلالة على تعظيم شأنه .
( 7 ) . سورة المائدة ، الآية 64 .
( 8 ) . البسائط الأربع : النار والهواء والماء والأرض ، وكلّ منها محيط بالآخر ، والمركّبات تخلق عن امتزاجها .