والمراد : أنّ من علامات السعداء الاتّعاظ بغيرهم ، بمعنى : أنّهم إذا رأوا شخصاً مشتغلًا بالماضي هم يتركونها ، وإذا رأوا أحداً يعظ آخر هم يتّعظون ، فلا يحتاجون إلى واعظ .
والناس قسمان بحكم كريمة
« فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ »
« 1 »
« وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ »
« 2 » .
والمراد بالسعادة السعادة الاخرويّة ، كما أنّ المراد بالشقاوة كذلك ، والظاهر أنّ الشقيّ في الدنيا شقيّ في الآخرة بدليل قوله تعالى :
« وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا »
« 3 » .
الكلمة السابعة والخمسون ، قوله عليه السلام : مَن كَثُرَ فكرُهُ في العَواقِبِ لم يَشْجَعْ
« الفكر » جمع الحواسّ الباطنة للتأمّل في أمرٍ ؛ و « العواقب » جمع العاقبة ، وهي مآل الأمور ومنتهاها ؛ و « يشجع » مضارع شجع من باب منع من الشجاعة ، وهي الاقتحام في الأمور الشاقّة سيّما الحروب لكن بالرويّة ، فيمكن أن يكون الفرار - إذا كانت المصلحة فيه - شجاعة ، وأمّا الانهماك في مزاولتها فيسمّونه التهوّر والتجرّي ، ولايمدح صاحبه لإمكان إهلاكه نفسه عبثاً .
والمعنى : أنّ كثرة التأمّل والتدبّر في نهايات الأمور مانعة عن ارتكابها ؛ لأنّه إذا تأمّل تظهر له مضارّها ومهالكها ، والنفس لاتجسر على المهلكة ، فيليق له التوكّل على اللَّه عز وجل .
الكلمة الثامنة والخمسون ، قوله عليه السلام : إذا حَلَّت التَّقادِيرُ ضَلَّت التَّدابِيرُ
كلمة « إذا » استعملت هاهنا في مقام متى ، فتفيد الكلّية ، كما قاله المفسّرون في
هامش
( 1 ) . هود ، الآية 105 و 106 .
( 2 ) . هود ، الآية 108 .
( 3 ) . الإسراء ، الآية 72 .