تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ميراث حديث شيعه — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
وبالجملة ، من لا يكون من عادته التكلّم بالفحش وهتك العرض والأقاويل الخشنة والكلمات المتنافرة الغير المشروعة ، كثر وشاع أحبّاؤه ومخلصوه . فيكون فيه أيضاً - كالحديث السابق - مجاز مرسل . ويمكن أن تكون « عذوبة اللسان » كناية عن محاسن الأخلاق ، ويكون الظاهر عنوان الباطن ، والآيات والأحاديث الواردة لهذه الصفة الجميلة والملكة العظيمة أكثر من أن تعدّ وتحصى ، ولنقتصر على ما أرشد اللَّه تعالى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم في سلوك هذا الطريق بقوله :
« فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ »
« 1 » . وقال عليه السلام : « جُبلت القلوب على حبّ من أحسن إليها ، وإساءة من أساء إليها » « 2 » ؛ ومن طابت سريرته حمد الناس سيرته . ولا شكّ أنّ لين الكلام أبلغ في إنجاح المطالب وإمحاض النصح وقبول الخصم ؛ لما دلّ عليه قوله تعالى :
« فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى »
« 3 » . فعلم أنّ الكلام الخشن لايؤثّر في إسكات الخصم ، بل يزيد إعراضه عن الحقّ ، فليست الأساطير السالفة والأكاذيب المنقولة والقصص الفاسدة - كما هو المتعارف في زماننا هذا - داخلة في عذوبة اللسان وإن تلقّاه العامّة بالقبول ، كما نسمعهم يقولون لبعض النقلة للهو الحديث والهفوات والأباطيل : هو رجل حسن الصحبة ، عالم بالسير الماضية من الأنساب والألقاب . والحاصل : من لايتأذّى الناس من لسانه بكفّ شرّه عنهم ونشر خيره لهم ، هو رجل عذب اللسان صافي الجنان . ولفظ هذا الحديث الشريف خبر ، ومعناه إنشاء ، أي : عليك بملازمة هذه الصفة ؛ فإنّها رأس الصفات وأعلاها ، وثمرتها التحبّب في القلوب وكثرة الإخوة والأحبّة .
هامش
( 1 ) . آل عمران ، الآية 159 . ( 2 ) . بحارالأنوار ، ج 77 ، ص 142 ، ح 1 . ( 3 ) . طه ، الآية 44 .