المسحاة وأدلّك على خزائن الأرض فيكون لك ما بقيتَ ولعقبك من بعدك ؟ قلت لها : مَن أنتِ حتّى أخطبك من أهلك ؟ فقالت : أنا الدنيا . قلت لها : فارجعي واطلبي زوجاً غيري . فأقبلتُ على مسحاتي وأنشأت أقولُ - عربيّة - :
لقد خاب من غرّته دنيا دنيّةً * وما هي إن غرّت قروناً بنائل
أتتنا على زيّ العزيز بُثَيْنَةُ * وزينتها في مثل تلك الشمائل
فقلت لها : غرّي سواي فإنّني * عزوف من الدنيا ولست بجاهل
وما أنا والدنيا فإنّ محمّداً * أحلّ صريعاً بين تلك الجنادل
وَهَبْها أتتني بالكنوز ودرّها * وأموال قارون وملك القبائل
أليس جميعاً للفناء مصيرنا * ويطلب من خزّانها بالطوائل
فغرّي سواي إنّني غير راغب * بما فيك مِن عزّ وملك ونائل
فقد قَنِعَت نفسي بما قد رُزِقْتُه * فشأنك يا دنيا وأهل الغوائل
فإنّي أخاف اللَّه يوم لقائه * وأخشى عذاباً دائماً غير زائل « 1 »
قوله عليه السلام : ( وَنَفْسِي بِخِيَانَتِهَا ) بأن عرضتني للعقاب والهلاك ، وأمرتني بالسوء والعصيان .
قوله عليه السلام : ( مِنْ تَزْيِينِ عَدُوّي ) وهو الشيطان حيث زيّن لي أعمالي ، ودلّني طريق الهوى . وتغريره في مخالفة الهدى ما أفاده أبو حامد صاحب إحياء العلوم بقوله :
إنّ خاطر الهوى يبتدئ أولًا فيدعو صاحبه إلى الشرّ ، فيَلحقه خاطرُ الإيمان فيدعوه إلى الخير فتنبعث النفس بشهواتها إلى نصرة خاطر الهوى والشرّ فتقوي الشهوة وتحسن التمتّع ، فينبعث العقل إلى خاطر الخير ، ويدفع في وجه الشهوة ويقبّح فعلها وينسبها إلى الجهل ، ويشبّهها بالبهيمة والسبع في تهجّمها على الشرِّ وقلّة اكتراثها بالعواقب ، وتميل النفس إلى نصح العقل ، فيحمل الشيطان حملةً على العقل
هامش
( 1 ) . بحارالأنوار 40 : 328 / 10 عن مناقب آل أبي طالب و 74 : 195 / 12 عن كتاب الأربعين لابن أخ السيد عزّالدين أبي المكارم حمزة بن علي بن زهرة الحسيني وج 72 : 362 / 77 ، عن رسالة الغيبة للشهيد الثاني .