لمزيدك من النعمة مقتضيا ، ولمضاعفة الاحسان إليك ممتريا . واعلم أن أن أمير المؤمنين قد فضلك على أهل بيتك طرا ، ورفعك فوقهم جمعا ، فجعلك واحدهم بعد أن كنت واحدا منهم ، واختصك دونهم بعد مساواتك لهم ، فسر في تطبيقهم سيرته ، واسلك في ترتيبهم طريقته ، وأوصهم بحسن التأمل لآثار الجماعة ، وكفهم عما تنكر بالهيبة والطاعة ، وإنما جعلك أمير المؤمنين أمينه فيهم ، وعينه عليهم ، لما ضنّ بهم عن الزلل وصانهم عن الغيّ والخطل ، واستهد اللَّه أولا وآخرا يهدك ، واستكفه باطنا وظاهرا يكفك ، واستمد منه العون يمددك ، واشكر نعمه يزدك » .
هذه فقرات تخيرناها من التقليد الذي كتبه الصابي إلى أبي احمد الموسوي عن الخليفة المطيع ، ومن هذه الفقرات ترون روح الحب الذي كان يكنه الصابي للموسوي والد الشريف .
قد تقولون : هذا كلام أذيع باسم الخليفة فهو يصوّر عواطف الخليفة لا عواطف الصابي .
ونجيب بأنه كان مفهوما أن الكتاب يسألون عما يكتبون ، لأن الخلفاء والملوك والرؤساء لم يكونوا يملون الرسائل ، وإنما كانوا يوصون بشرح الغرض ، فكانت للكتاب فرص يعلنون بها ما يضمرون .
والتاريخ يحدثنا أن الخليفة المنصور حقد على ابن المقفع للأمان الذي كتبه لعبد اللَّه بن علي ، فقد جاء فيه : « ومتى غدر أمير المؤمنين بعمه عبد اللَّه فنساؤه طوالق ، ودوابه حبس ، وعبيده أحرار ، والمسلمون في حل من بيعته » .
وكان يستطيع المنصور أن يفترض أن ابن المقفع لم يكتب غير ما أملى عليه ، ولكنه كان يعرف أن الكتاب يتصرفون فيما يعهد إليهم
عبقرية الشريف الرضي — صفحة 41
مساهمون: زكي مبارك
ص٤١