ولا تنسوا أن الشريف غلبت عليه الصفة الأدبية - بالرغم من منزلته العلمية التي قضت بأن يكون له مدرسة فيها طلاب يتلقون دروسه في الصباح والمساء - والصفة الأدبية حين تغلب على رجل تعرّض سمعته لسيئات الظنون ، فقد كان شاع في البيئات العراقية أن الأدباء والشعراء قوم لا يهمهم غير الهيام بأودية الشياطين . ولم يكن يسر الشريف الرضي أن يقال إنه يتخلق بأخلاق الشعراء لأنه كان يرشح نفسه لمناصب دينية لا يصلح لها إلا المعروفون بطهارة السر والعلانية ، والمشهورون بالتقى والعفاف ، وحسبكم أن تذكروا أنه كان يرشح نفسه لنقابة الأشراف وإمارة الحج وتولي القضاء ، وهي مناصب شائكة توجب على من يسمو إليها أن يتخوف عواقب الأقاويل والأراجيف قد تسألون : وهل كان الشريف يكتم هذه المعاني ونجيب بأنه كان يصرح بها في بعض الأحيان ، كأن يقول : واني إذا أبدى العدو سفاهة * حبست عن العوراء فضل لسانيا ( 1 ) وكنت إذا التاث الصديق قطعته * وإن كان يوما رائحا كنت غاديا ( 2 ) وكأن يقول : وإن مقام مثلي في الأعادي * مقام البدر تنبحه الكلاب رموني بالعيوب ملفقات * وقد علموا بأني لا أعاب وأني لا تدنسني المخازي * وأني لا يروعني السباب ولما لم يلاقوا فيّ عيبا * كسوني من عيوبهم وعابوا وكأن يقول :
عبقرية الشريف الرضي — صفحة 18
مساهمون: زكي مبارك
ص١٨
هامش
( 1 ) العوراء الكلمة الفاحشة .
( 2 ) التاث الصديق : تغير وده .