هذا صنيع الأُمم بأنبيائهم ، وقس على ذلك سائر أنبائهم ، وأمعن في الفكرة طلباً ، وإن استطعت بعد فمت من ذلك عجباً !
إنّ معجزات ( محمّد ) صلى الله عليه وآله وسلم ما زالت تتوالى وتترادف وتتزايد وتتضاعف لقومه وعشيرته من حين ولادته إلى وقت ظهور دعوته ، حتّى صار الأمر عياناً والحقيقة وجداناً .
ومع ذلك كلّه ، فلم ينجع في مشركي أقوامه ولا نفع في جاهلية أيّامه ، وما ازدادوا إلّاجحوداً وكفراً ، ولا شروا إلّاشرّاً .
وقد أعرب الوحي عن إصرارهم على الكفر ، مع وضوح الأمر من توالي الحجج وترادف البيّنات ، وأنّ ذلك لا ينفع فيهم ولو أنزل اللَّه عليهم الملائكة وفتحت لهم أبواب السماوات !
حتّى قال ( جلّ شأنه ) في بيان تناهي أمرهم في الطغيان والعناد :
« وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ »
« 1 » .
وزاد ( زيدت علينا ألطافه ) :
« وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ »
« 2 » .
ومن هنا يتّضح لك فساد قول من زعم : أنّه ( صلوات اللَّه عليه ) ما جاء لقومه بمعجزة ، ولا أجابهم إلى إظهار آية « 3 » ، سبحان اللَّه ! ما أشدّ العماية وأشنع الغواية ! تمسّكاً بالأباطيل ، وصرفاً لظواهر بعض الآيات الشريفة إلى ما يوافق
هامش
( 1 ) سورة الأنعام 6 : 7 .
( 2 ) سورة الحجر 15 : 14 - 15 .
( 3 ) انظر : من افتراءات المستشرقين 186 وما بعدها ، موقف العقل والعلم 4 : 91 و 95 و 104 .