لك الزبدة ، ولا أظنّك - بعد هذا كلّه - تبقى من أمر النبوّة على ريبة .
كيف ! وقد أشرت لك إلى الوجوه البعيدة والقريبة ، وأثبتّ لك الدعوى بصغراها وكبراها ، وجمعت عندك شؤون الحقيقة أقصاها وأدناها وأُولاها وأُخراها ، وأقمت لك لتحصيل اليقين الإقناعيات والبراهين .
ولقد كان يكفيك دون الذي ذكرناه وقدّمناه بكثير إن كنت طالباً للحقّ والهدى بصدق النيّة وصحيح البصيرة ونافذ العزيمة وعصيان الشيطان والعصبية .
وإن كنت - وعافاك اللَّه - من المصرّين على العناد المعادين للهدى والرشاد الذي يأبى إلّاأن يكون للحقّ جدّ جاحد ، فالكلام معك من العبث ؛ لأنّا نضرب منك في حديد بارد !
وأنت تعلم - أصلحك اللَّه - كيف يبلغ الشقاء بالإنسان ، وإلى أيّ مقام تبلغ به طاعة الشيطان !
فإنّ أُمم الأنبياء كانوا ينظرون إلى معجزات رسلهم عياناً ، فما يزيدهم ذلك إلّا كفراً وطغياناً !
يرون ( صالح ) الأنبياء ، يخرج الناقة العشراء « 1 » من الصخرة الصمّاء ، نصب عيونهم وحسب اقتراحهم وطلبتهم ، ثمّ يمرعون ويمتّعون عصراً في عميم بركاتها وعظيم خيراتها ، ثمّ تترادف النذر والوصايا من أبيها بحسن رعايتها وحفظ حرمتها ، فيكون جزاؤه وجزاؤها أن يُمنع ماؤها ، ويذبح فصيلها ، وتعقر عراقيبها وأُصولها !
هامش
( 1 ) ناقة عُشَراء : مضى لحملها عشرة أشهر ، وقيل : التي وضعت حملها ، وقيل : العشراء من الإبل كالنفساء منالنساء . ( لسان العرب 9 : 219 ) .