وما أكثر من يحصل له بالتقريب من العلم واليقين ما لا يحصل له من ترتيب الأدلّة والبراهين !
ألا وإنّ حجّة اللَّه ( جلّ شأنه ) على عباده لا تحتاج إلى أكثر من هذا البيان ، ولا تتوقّف على أن يقف المرء على حلّ جذر الأصمّ أو معرفة العلم الطبيعي وسمع الكيان .
ونحن نظنّ أنّا قد أقمنا الحجّة - بمعونة اللَّه - على كلا الصنفين ، ونصبنا أعلام الحقّ للسائرين شاخصة لمرايا العقول بمرأى العين .
والتوفيق ليس من صنعنا ولا في حيّز قدرتنا ، ولكنّنا نسأل وليّه الجواد أن يمنّ به على عامّة العباد ، إنّه الجواد الذي لا يبخل ، الكريم بما يُسأل وما لم يُسأل .
وحيث قد محضتك النصيحة ومخضت لك الزبدة من كلّ روب وشوب « 1 » وصفّيت لك سجال البيان من كلّ صوب ، فقد صرت حقيقاً بأن أكفّ عنك أذيال المقال وألفّ ما نشرته عليك ممّا قصر منه وطال ، ولكن لا أجدني أقنع لك بهذا المقدار أو يتجلّى الأمر لديك تجلّي الشمس في رائعة النهار .
يا هذا ، إنّ أعظم الآيات وأُمّ المعجزات في القرآن الكريم شيء وراء ما ذكرناه من إعجازه وبلاغته وبديع أُسلوبه وأشباه ذلك ممّا مرّ عليك أقلّ قليله وبعض قبيله .
إنّ أقوى البيّنات على الشيء أن تكون البيّنة من سنخ الدعوى .
هامش
( 1 ) الشوب : الخلط ، والروب : تخثّر اللبن وإدراكه . يقال : ما عنده شوب ولا روب ، أي : لا مرق ولا لبن . ( صحاحاللغة 1 : 140 و 158 ) .