وما من علم من العلوم إلّاوفيه ما يتّضح ويجلّ ، وفيه ما يدقّ ويشكل ؛ ليرتقي المتعلّم فيها رتبة بعد رتبة حتّى يبلغ منتهاه ويدرك أقصاه ، ولتكون للعالم فضيلة النظر وحسن الاستخراج ، ولتقع المثوبة من اللَّه ( جلّ شأنه ) على قدر العناية .
ولو كان كلّ العلوم أو كلّ القرآن شيئاً واحداً لم يكن عالم ولا متعلّم ولا خفي ولا جلي ، ( والأشياء تعرف بأضدادها ) ، والخير يعرف بالشرّ والباطن بالظاهر .
ولولا ذلك لبطلت الحكمة وتعطّلت النواميس .
وكم في كلام الأنبياء والحكماء والشعراء من العرب وغيرهم من لطيف معنى وضعوه تحت مغلّفات من الألفاظ ؛ ليبحث عنه العالم المقدّم ، ويقصر عنه البليد المفدّم « 1 » ، ويستخرجه النقّاب المبرّز .
ولولا ذلك لوقفت حركة الأفكار ، وكنّا كالبهائم لا نعرف سوى سواد الليل وبياض النهار !
فالمتشابهات هي التي سنّت لنا شريعة البحث وحركة الفكر حتّى بلغت العلوم إلى مبالغها اليوم ، ولعلّها ما بلغت شيئاً !
هذه إحدى الحكم في المتشابهات ، فلتتدبّرها ؛ لتعرف ما أكبرها !
وعساك تصل إلى ما هو أدقّ منها حكمة وأعظم نعمة .
ولكن ألا بذمّة الإنصاف عندك وحرمة الحقّ والحقيقة عليك ، هل التمسّك بتلك الاعتراضات والتشبّث بتلك المزخرفات والخرافات ، هل الرجوع - بعد
هامش
( 1 ) الفَدْم : العَيي . ( جمهرة اللغة 2 : 672 ) .