الإفهام والبيان ، فلا أحسب أنّ وجهها الظاهر يسطيع أن يحتجب عنك أو يخفى عليك ، وفيه مقنع لك وكفاية عن تطلّب الوجوه الخفية وتكلّف الأسرار والرموز التي لستُ أنا أو أنت من أهلها .
ألستَ تعلم أنّ القرآن لو كان كلّه ظاهراً مكشوفاً بحيث يستوي في معرفته العالم والجاهل والعالي والسافل لبطل التفاضل بين الناس وسقطت المحنة وماتت الخواطر وذهب الاحتكاك .
وقد قيل : إنّ مع الحاجة تقع الفكرة والحيلة ، ومع الكفاية يقع العجز والبلادة « 1 » .
وقالوا : عيب الغنى أنّه يورّث البله ، وفضيلة الفقر أنّه يبعث الحيلة « 2 » .
وقال ( ابن صيفي ) « 3 » : ( ما يسرّني أنّني مكفّى كلّ أمر الدنيا ) ! قيل : ولِمَ ؟
قال : ( أكره عادة العجز ) « 4 » !
ألم تعلمي أنّ الثواء هو التوى « 5 » * وأنّ بيوت العاجزين قبور ؟ !
هامش
( 1 ) لاحظ زاد المسير 1 : 302 .
( 2 ) انظر عيون الأخبار 1 : 353 .
( 3 ) أكثم بن صيفي بن رياح بن الحارث بن مخاشن بن معاوية بن شريف التميمي ، حكيم العرب في الجاهلية ، وأحد المعمّرين . عاش زمناً طويلًا ، وأدرك الإسلام ، وقصد المدينة في مائة من قومه يريدون الإسلام ، فمات في الطريق سنة 9 ه ، ولم ير النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأسلم من بلغ المدينة من أصحابه . أخباره كثيرة ، ولعبد العزيز بن يحيى الجلودي كتاب : ( أخبار أكثم ) .
( البيان والتبيين 1 : 365 و 2 : 70 و 3 : 255 ، أُسد الغابة 1 : 112 - 113 ، بلوغ الإرب 1 : 308 - 311 ، الأعلام للزركلي 2 : 6 ) .
( 4 ) قارن عيون الأخبار 1 : 353 .
( 5 ) الثواء : طول الإقامة بالمكان . ( لسان العرب 2 : 152 ) .
والتوى : الهلاك . ( المصدر السابق 2 : 67 ) .