لا أقول : تصرّف ابنة الراح « 1 » في الأرواح التي تحتجب عندها العقول أو تزول .
كلّا ، بل يحدث فيهم سماع تلك الألفاظ هزّة وأريحية ، ونشاطاً في العقول ، وخفّة في الأرواح ، ولطفاً في الضمير .
كما يحدث مثل ذلك عند استماع نغمات الأوتار وتناسب وقع ألحان الموسيقى ورنّات المثالث والمثاني لأريحي الطبع الخفيف الروح اللطيف الجوهر .
وأجلى بياناً : أنّ الكلام البليغ هو : الذي يحدِث في أرباب العرفان من أهل اللسان حالة هي كالتي تحدث فيك عند الفرح والسرور والطرب والنشاط والجذل والانبساط .
الكلام البليغ هو : الذي يتصرّف في الأرواح والأجسام تصرّفاً روحيّاً طبيعيّاً .
أُريد : أنّه يعمل في الروح وفي الطبيعة وفي العقل والمادّة ، كلٌّ على حسبه ومن سنخ ما يليق به .
ولذلك تجده عند كلّ أُمّة وفي كلّ لسان ، ولكنّه ذو عرض عريض ومقامات لعلّها لا تتناهى ، كعدم تناهي مراتب تأثيره في النفوس وتصرّفه في الألباب والعقول شدّةً وضعفاً على حسب حظّه من البلاغة ومنزلته من معارجها المترامية وأبراجها السامية وحظّ المستمع من عرفان ذلك .
هامش
( 1 ) ابنة الراح : الخمر التي يرتاح شاربها لها . ويقال : بل هي التي يستطيب الشارب ريحها . ويقال : بل هي التييجد شاربها روحاً . ( فقه اللغة 244 ) .