أدهشهم وأعجزهم عن معرفة نزعته وجنسيته ، فلم يعرفوا - وإلى الآن - أنّه من قبيل الشعر أو الخطب أو الرسائل أو الرَجز أو الهزج أو غير ذلك من أنواع الكلام وأُمّهات أبوابه .
نعم ، ما عرفوا سوى أنّه خارج عن كلّ تلك الأنواع غير داخل في شيء من هاتيك الأبواب .
ما أصابوا من حقيقته سوى أنّهم ما أصابوها ، وما عرفوا غير أنّها غريبة ما عرفوها !
فهذا إيجاز الكلام عن الإعجاز .
أمّا الفصاحة فهي - سواء في الكلمة أو الكلام أو المتكلّم - لا تعدو أن تكون وجهاً واحداً ومعنىً فذّاً ، تلتقي وتجتمع عنده بعد إلقاء خصوصيات المحال المختلفة والظروف المتغايرة .
ثمّ إذا رجعنا إلى معاجم اللغويّين لم نجد الفصاحة أكثر من الإبانة ، والإيضاح ، والكشف « 1 » ، وما قارب ذلك من الألفاظ المتّفقة المداليل الواضحة المفاهيم التي تعرّف الأشياء بجامعها العامّ وقدرها المشترك ، فتحكي الحقيقة من وجه ، وتغمّ عنها من وجوه .
أمّا كلمات الفصحاء والبلغاء عنها « 2 » فكلٌّ يشير إلى وجهة وينظر إلى ناحية .
وقلّ من أصاب الثغرة ، ودلّ على النقطة المركزية ، وأنبأ عن الحقيقة التي
هامش
( 1 ) لاحظ : لسان العرب 10 : 269 ، المصباح المنير 474 .
( 2 ) راجع : البيان والتبيين 1 : 162 و 174 و 378 ، المستطرف 1 : 84 وما بعدها .