ثمّ لم يبق عندي بعدُ لزيادة الإيضاح عن هذا المعنى ولا أستعين عليه إلّا بضرب الأمثال له وسرد شيء من الشواهد عليه .
أيّ أريحي الطبع طاهر الذوق طيّب الجوهر صافي أديم النفس صقيل مرآة الفكر يستمع لقوله ( تعالى ) :
« وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً »
« 1 » ، شرّف سمعك وبصرك بتلاوة هذه الآيات إلى آخر السورة ، اقرأها بتدبّر وتدبّرها بتفهّم ، وانظر هل تجد لها لوعة في قلبك ، وروعة في لبّك ، وهزّة في سوادك ، وفزّة في فؤادك ؟ !
انظر هل تنتفض أعضاؤك ، وتختلج عروقك ، وتتكهّرب بالانتعاش شرايينك ومفاصلك ؟ !
ثمّ خذ صَعَداً في القرآن أو صبباً ويميناً منه أو شمالًا ، فرتّل شيئاً من سورة ( يوسف ) ، فإن وقع بصرك على قوله ( تعالى ) :
« وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ »
« 2 » ، أو قوله ( عزّ طوله ) :
« وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ »
« 3 » ، أو أيّ آية شئت منها ، فاستوقف عندها فكرك وأحضرها قلبك ولبّك عساك تبلغ ما أُريد بيانه وأقصر عنه من معنى البلاغة .
ثمّ إذا أردت التوسّع فمتّع الكريمتين منك : سمعك وبصرك ( جعلهما اللَّه
هامش
( 1 ) سورة الفرقان 25 : 63 .
( 2 ) سورة يوسف 12 : 23 .
( 3 ) سورة يوسف 12 : 31 .