نعم ، وهذه الجهة - أعني : الإخبار بالغيب - وإن لم يكن من الإعجاز من جهة بلاغة البيان ، ولكن جهات الإعجاز لا تنحصر بذلك ، وإنّ من أعظم ما يعجز البشر ويخرج عن طوق قدرهم الإخبار بوقائع مستقبلهم حيث يكون عن غير علوم آلية ولا صناعات عملية من كهانة أو فراسة أو جفر أو رمل « 1 » أو ما أشبه ذلك .
ومن المعلوم أنّ إخبارات القرآن بالغيب لم يكن شيء منها بهاتيك الصفة ، ولا على واحد منها تلك السمة .
فأين قوله :
« وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ »
« 2 » من تسجيعات الكهنة وتهجّساتهم وزمازمهم ؟ !
وكذلك الإخبارات الغيبية من الحضرة النبويّة .
وسيتّضح بعض ذلك فيما سيجيء إن شاء اللَّه .
( الوجه الرابع : ما أنبأ من أخبار القرون السالفة والأُمم البائدة والشرائع الداثرة ممّا كان لا يعلم منه القصّة الواحدة إلّاالفذّ من أحبار أهل الكتاب الذي
هامش
( 1 ) علم الكهانة : علم مناسبة الأرواح البشرية مع الأرواح المجرّدة من الجنّ والشياطين ، والاستعلام بهم عنالأحوال الجزئية الحادثة في عالم الكون والفساد المخصوصة بالمستقبل . ( أبجد العلوم 2 : 373 ) .
وعلم الفراسة : علم تعرف منه أخلاق الناس من أحوالهم الظاهرة من الألوان والأشكال والأعضاء . وبالجملة : الاستدلال بالخلق الظاهر على الخلق الباطن . ( المصدر السابق 2 : 327 ) .
وعلم الجفر : هو العلم الإجمالي بلوح القضاء والقدر المحتوي على كلّ ما كان وما يكون كلّياً وجزئياً . والجفر : لوح القضاء الذي هو عقل الكلّ . ( المصدر السابق 2 : 181 ) .
وعلم الرمل : هو علم يُعرف به الاستدلال على أحوال المسألة حين السؤال بأشكال الرمل ، وهي اثنا عشر شكلًا على عدد البروج . وأكثر مسائل هذا الفنّ أُمور تخمينية مبنية على التجارب . ( المصدر السابق 2 : 254 - 255 ) .
( 2 ) سورة الروم 30 : 3 .