يشهدك منتهى حدّ البلاغة معيّناً محدوداً ، الذي يحقّق لك الحقيقة ، الذي يسلك بك في واضح الطريقة . .
ذاك أن تنظر في تشبيهاته البديعة وتمثيلاته المنيعة ، وتضرب أقصى مبالغ الفكرة وتدأب في مراجعة النظرة ، وترى هل تجد مساغاً وتدرك بلاغاً إلى أبلغ منه تمثيلًا ، وأحسن تشبيهاً ، وأسمى مقاماً ، وأسنى محلّاً ؟ !
وهل تقدر على أن تزيد فيه أو تعلو على معاليه ، أو تنظّمه في أقوى من سلكه أو ترفعه إلى ما هو أعلى من سمكه ؟ !
خذ مستقصياً في النظر من أوّل تشبيهاته ، مستوقف الفكر على كلّ واحد من تمثيلاته :
ذاك مثل قوله في وصف حال المنافقين وتجسيم حقيقتهم في العيان وتحديد ملكاتهم الخبيثة في حيث تشهدها الأذهان ، يقول ( جلّ شأنه ) :
« مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ * أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ »
« 1 » الآية ، إلى نهاية المثل في قوله :
« يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا »
« 2 » .
ولو ذهبنا إلى بيان دقائق هذا المثل وأسراره وتطبيقه على خواصّ المُمثّل لطال المقام وفات الغرض .
وكتب التفاسير قد وَفت بشطر من ذلك « 3 » وإن لم تستوفه ، وتكفّلت به وإن
هامش
( 1 ) سورة البقرة 2 : 17 - 19 .
( 2 ) سورة البقرة 2 : 20 .
( 3 ) انظر : الكشف والبيان 1 : 160 و 165 ، الكشّاف 1 : 72 - 87 ، تفسير أبي الفتوح الرازي ( فارسي ) 1 : 137 - 150 ، مجمع البيان 1 : 112 - 120 ، زاد المسير 1 : 30 - 37 ، تفسير الفخر الرازي 1 : 81 - 89 ، البحر المحيط 1 : 74 - 92 ، تفسير القرآن لصدر المتألّهين 2 : 5 وما بعدها ، الصافي 1 : 145 - 147 ، الجوهر الثمين 1 : 75 - 76 .