يقولون له تارةً
« إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ »
« 1 » ، ولو تدبّر اللبيب في أمرهم لأيقن أنّهم كانوا هم المجانين !
ويقولون : إنّك لساحرٌ ، والحقّ ما هو إلّاأنّ مارد العصبية قد جعلهم من المسحورين !
حتّى تطامنوا للحروب المبيدة والمواقف المهلكة ، وتجاروا على مُماناة المنايا ومعاناة الرزايا ، زمان عشرين سنة أو أكثر .
أكانت المعارضة ممكنة لهم وتركوها ، أو فعلوها ولم يبلِّغها إلينا ناقلوها ؟ !
قل لنا : بأيّ الأمرين يحكم عقلك ؟ ! أيّهما يرتضيه وجدانك ؟ ! أيّهما يقضي به إنصافك :
أتقضي الحقيقة بصحّة شيء منها ؟ !
كلّا ، ما هو إلّاأنّهم وجدوه أمراً مستحيلًا وأبصروه ممتنعاً منيعاً ، الحتوف أطيب منه مطعماً وحدّ السيوف ألين منه مركباً ، فاختاروا أهون الأمرين عليهم وألين الحالين لديهم .
هذا ، والقرآن ملءُ أسماعهم وأفكارهم ونصب عيونهم وأبصارهم ، يرونه يعيد القصّة الشاردة والقضية الواحدة بأفانين من البيان وأساليب من الكلام ، وبدائع من القول وروائع من الطول ، من دون أن ينحطّ شأوه في البلاغة أو يختلف حاله في البراعة ، على اختلاف الأساليب وشتات التراكيب .
انظر - مثلًا - ما اقتصّ من أمر ( فرعون ) وعتوّه واستكباره ، وما أخذه اللَّه به من النكال ورماه به من البوار والوبال ، حيث أغرقه وجنوده واستنقذ منه عبيده . .
هامش
( 1 ) سورة الحجر 15 : 6 .