ثمّ لمّا صعد به بينهم على اليفاع وصدع به منهم الأسماع ، وناداهم فأسمع وبلّغهم أجمع ، طاشت ألبابهم وتقطّعت أسبابهم ، ورأوا أن معلّقاتهم التي عجبوا بها ممخرقات فمزّقوا تلك المعلّقات !
ولشدّة مهارتهم ومعرفتهم بمقامات البلاغة ومبالغ حدود البشر فيها ومنتهى قوى الرجال منها ، أيسوا من حينهم عن المعارضة وأذعنوا أوّل ما سمعوه بالعجز عن المراجعة والمفاوضة .
الكتب والتواريخ ضبطت لك خبرهم « 1 » ودفعت إليك سيرهم ، وأحصت قليل أمرهم والكثير والفتيل والنقير « 2 » .
فهل روي لك عنهم أو بلغك أنّ واحداً منهم أو جماعة من ذوي شرفهم وعلاهم - وهم كما تعلم ما هم - جاء إلى ذلك المتحدّي به والناهض بعبئه ، فقال له : يا فتى ، نحن كبراء قومك ، وأشياخ عشيرتك وفصحاء عصرك ، وقد أكثرت علينا التبجّح وأطلت التحدّي بقرآنك والتبذّخ ، فاكفف ، فهذه كلمات من جنس ما جئت به وأتيته ومن سنخ ما قرأته وأبديته ، وقد عارضنا بها قرآنك وأبطلنا بجمعها - معاذ اللَّه - فرقانك ؟ !
لا وعزّة جلال اللَّه ، كأنّ ذلك ما خطر لهم على خيال ولا اتّسع لأحدهم فيه مجال ، بل ظلّوا في الحيرة صرعى سبات يتعلّلون بالأباطيل والترهات !
هامش
( 1 ) قارن : السيرة النبويّة لابن هشام 1 : 307 ، إعجاز القرآن للباقلاني 38 و 40 و 53 و 61 ، دلائل النبوّة للبيهقي 2 : 198 ، أسباب النزول للواحدي 381 ، إعلام الورى 1 : 70 و 110 ، البداية والنهاية 3 : 60 ، البرهان للزركشي 2 : 110 ، الأنوار المحمّدية 266 .
( 2 ) تقدّم معناهما غير مرّة ، فراجع .