العقل والإدراك ، أوّل صوته البكاء ، وأقدم إحساسه التألّم ، وكلّ ما عنده العوز والحاجة ، رجلاه لا تحمله ، ويداه لا تطاوعه ، الحرّ يشويه ، والبرد يرديه ، وكلّ الكوائن تؤثّر فيه .
ثم يُدفع إلى تيّار هذا الكون اللجّي ليخوض أمواجه ويشقّ عبابه سائرٌ يريد أن يطوي مراحل ويقطع مجاهل على غير أُهبة السفر ولا تعبية الراحل .
نعم ، وأكبر مصيبته الجهل ، وأعظم بليّته ضعف العقل ، وأوفر متاعه الآمال والشهوات .
أخذ يتدرّج ذلك السائح الضعيف السابح في غمرات هذا الكون ، وكلّما نما وشبّ واشتدّ وترعرع أخذت وطأة تلك الخلال الثلاث التي هي أُمّهات شقائه وينابيع بلائه تخفّ عنه من ناحية وتشتدّ عليه من مناحي .
انفتحت له قبل كلّ شيء أبوابٌ خمس من الحواسّ الخمس ، فولجت إلى نفسه منها إحساسات جمّة وإدراكات مهمّة ونعم كبيرة ولذّات كثيرة .
ولكن هل خفّفت من شقائه أم زادت في بليّته وعنائه ، فأدخلت الهمّ إلى قلبه ، والأحزان إلى فؤاده ، والأوهام إلى خياله ، والأغاليط إلى عقله ، وأفقدته أنفس ما كان عنده من الراحة والبساطة والسذاجة والسلامة والهناءة والدعة .
ولم يزل هكذا يتراوح بين الربح والخسران ، والزيادة والنقصان ، والتعب والراحة ، والغنى والحاجة .
فكلّما اتّسع ضاق نطاقه ، وكلّما ترفّه اشتدّ خناقه ، و ( السلاسل قيود وإن كانت من ذهب ) .
ولست أنزع في مقامي هذا إلى فلسفة أطوار الإنسان وأدواره جنيناً وطفلًا ويافعاً وناشئاً وغلاماً وشابّاً وكهلًا وشيخاً ، وما يعتريه من التقلّبات والأحوال
الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية — صفحة 12
مساهمون: الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء
ص١٢