وللإيضاح نمهّد في المقدّمة أُموراً نتوصّل بها إلى الغاية ونقف بعدها على الحقيقة :
[ الأمر الأوّل : في بدء نشأة الإنسان وعجزه وجهله وحاجته ]
[ الأمر ] الأوّل : أنّ كل إنسان - مهما كان - يعلم من نفسه ضرورةً أنّه قد وُجد في نشأة هذا الكون المحسوس عريقاً ولصيقاً بثلاث صفات هنّ أُمّهات الشقاء وينابيع الخسّة ، ولكنّها أسبق شيء إليه وألصق الصفات به وأقدمها عهداً بوجوده ، وهي كائنة مع كونه وقبل اتّصافه بكلّ حال وصفة .
كلّ إنسان يعلم أنّه وُجد جاهلًا بكلّ شيء ، فقيراً من كلّ شيء ، عاجزاً عن كلّ شيء .
جاهلًا حتّى بجهله ، فضلًا عن أنّه أين كان ، ومن أيّ شيء كان .
فقيراً حتّى من الانتفاع بسمعه وبصره وإحساسه وشعوره ، فلا يمتاز عنده لون من لون ولا إنسان من إنسان .
عاجزاً حتّى عن قوت ساعته وساتر بشرته .
وأيّ شقاء وخسّة أكبر من هذه ؟ !
بيد أنّها ضريبة على البشر عامّة وخاصّة لازمة ، لا يتملّص أحدٌ منها أبداً ، يطوي الوليد على ذلك عدّة من صفحات أيّامه ولياليه .
نعم ، قُذف بالإنسان من حالق لا يعلمه إلى هوّةٍ لا يدرك قعرها ولا يسبر غورها ولا يدري إلى أين غايتها ، فهو كخابط عشواء في ليلة ظلماء والأنوار محيطة به ، سوى أنّه لا يهتدي إلى سبل الانتفاع بها والتمتّع فيها .
فهو بادِئ بدء مجرّد البشرة عادم القوّة أعزل من كلّ سلاح حتّى سلاح