ثم يقول :
لا بدّ أن أركبها صعبة * وقاحة تحت غلام وقاح
يجهدها أو ينثني بالردى * دون الذي قدّر أو بالنجاح
والغلام في هذا الشعر هو الفتى ، والشاعر لا يرى لنفسه غير غايتين : النصر أو الموت ، وهو معنى سيكرره في آخر القصيدة إذ يقول :
إما فتى نال العلا فاشتفى * أو بطل ذاق الردى فاستراح
وهو بهذا سبق الفرنسيين إلى هذه الحكمة العالية ، سبقهم بمئات السنين إلى الحكمة المسطورة على محراب البانتيون في باريس : ولم يكن الشريف أول من قال هذا المعنى بين شعراء العرب ، ولكنه أورده موردا قويا جدا بحيث لا يكون من المغالاة أن نعده من معانيه المبتكرات : ثم يقول :
الراح والراحة ذل الفتى * والعزّ في شرب ضريب اللقاح
في حيث لا حكم لغير القنا * ولا مطاع غير داعي الكفاح
فنفهم عن طريقه أعظم معضلة في تربية الأبدان والنفوس ، وهل نسيتم أن الخلفاء كانوا يرسلون أبناءهم ليتربوا في البادية هنا نفهم السر : فاللغويون يظنون أن الخلفاء كانوا يرسلون أبناءهم إلى البادية لينشأوا على فصاحة الاعراب ، وهذا له وجه ، وإنما كان الخلفاء يرسلون أبناءهم إلى البادية لينشأوا على الصراحة والصرامة والطغيان . فالحكم في البوادي لا يكون لغير السيف والرمح ، وعيش البادية مران عنيف على الخشونة والصلابة والفتك .
وقد سمعتم ألف مرة أن الترف هو داء الأمم ، داؤها العقام الذي
عبقرية الشريف الرضي — صفحة 184
مساهمون: زكي مبارك
ص١٨٤