انظروا هذه الصورة ثم تذكروا ما يقابلها من الصور ، فهناك شعراء ينبهون رفاقهم أيضا ، ولكنهم لا ينبهون إلى الاصطباح بالحرب ، وإنما ينبهونهم إلى الاصطباح بالصهباء .
أرأيتم كيف ينبه الجنود :
لغارة سامع أنبائها * يغصّ منها بالزّلال القراح
أرأيتم هذه الصورة ، صورة الحرب التي تغصّ سامع أخبارها بالماء القراح فكيف ترونها تصنع بمن يصطلى لظاها أرأيتم كيف يشوّق جنوده إلى الحرب فيقول :
دونكم فابتدروا غنمها * دمى مباحات ومال مباح
فهو يطمعهم فيما سينالون من الأموال ومن النساء ، وهي مطامع حسية كانت على الدهر من أعظم مغانم الحروب .
أرأيتم كيف يحدّد مقامه ومقام جنوده من الحقائق الأخلاقية فيقول :
فإننا في أرض أعدائنا * لا نطأ العذراء إلا سفاح
وهذه الأخلاق تبدو في بشاعة الوحشية ، ولكنّ للشاعر عذرا وأنتم يلومون ، فهو يسجّل أخلاق الجنود المغاوير ، والجنود المغاوير لا يعرفون المصقول من آداب الناس ، فالجندية هي في ذاتها وحشية ، وهل اشتقّت الفروسية إلا من الافتراس ثم يقول :
يا نفس من همّ إلى همة * فليس من عبء الأذى مستراح
قد آن للقلب الذي كدّه * طول مناجاة المنى أن يراح
فيصوّر لكم قلق الرجل الطمّاح الذي تغرقه مطامحه في بحر من الهموم فلا يرى نجاته في غير القتال .
عبقرية الشريف الرضي — صفحة 183
مساهمون: زكي مبارك
ص١٨٣