العلا والمعالي في قصائد الشريف
أيها السادة : أريناكم فيما سلف صورا كثيرة من صلة الشريف بعصره وصلاته بمن عرف فيه من علماء وشعراء وأمراء وخلفاء وملوك ، وأريناكم كيف عرف النعيم والبؤس والضحك والبكاء .
والآن نحدثكم عن غرامه بالمجد ، وهيامه بالعلياء ، وفنائه في التخلق بأخلاق الأبطال .
والشريف في هذه الناحية هو صورة الشاعر الحق ، لأن الشاعر الحق لا يخلو قلبه أبدا من التسامي إلى كرائم المقاصد وشرائف الغايات ، وهو قد يلهو وقد يلعب ، ولكنه يظل مشغول القلب بما يتسامى إليه ، وتدور خواطره حول أمانيه في كل وقت ، وإن ظنه الناس من اللاهين .
وما رأيتم من لهو الشريف وما سترون ، لم يكن لهو خصيان ، وإنما كان لهو فحول ، فهو لم يكن في غرامياته من الشعراء الضعفاء الذين يستريحون إلى البكاء والأنين ، وإنما كان شاعرا فحلا يرى الحسن لم يخلق إلا لغرامه الجموح ، وسترون فيما بعد أنه تزوج وأنجب ، ولم يترك الدّنيا إلا وهو ملء العيون والقلوب .
أيها السادة : نحن مقبلون على مصافحة الجبل الأشمّ ، نحن مقبلون على مواجهة الفارس الذي بذّ جميع الفرسان حين قال :
نبهتهم مثل عوالي الرماح * إلى الوغى قبل نموم الصباح
عبقرية الشريف الرضي — صفحة 179
مساهمون: زكي مبارك
ص١٧٩