والواقع أن الشريف كان قليل الرعاية للعصبية المذهبية ، والظاهر أنه كان حرّ العقل إلى حدّ بعيد : فقد كان يدرس جميع المذاهب الاسلامية ليمدّ عقله بالأنوار التي يرسلها اختلاف الفقهاء ، واهتمامه بمذهب الشافعي معروف ، مع أن مذهب الشافعي في ذلك العهد لم يكن له أنصار أقوياء في العراق ، وإنما كان أنصاره من المصريين . ويشهد الديوان أيضا بأن أبا أحمد الموسوي سافر إلى فارس للاصلاح بين الملكين : بهاء الدولة وصمصام الدولة ، والإصلاح بين العسكرين : البغدادي والفارسي . ومعنى ذلك أن هذا الرجل كان يرجى لتضميد الجروح ، وليس ذلك بالفضل القليل ، ولا يعرف قيمة هذا الفضل إلا من يراجع ما دوّن التاريخ من فواجع ذلك الشقاق . وفي هذا يقول الشريف من قصيدة نظمها في رمضان سنة 387 . سائل عن الطَّود لم خفّت قواعده * وكان إن مال مقدار به رجحا ( 1 ) قد جرّبوه فما لانت شكيمته * وحمّلوه فما أعيا ولا رزحا ( 2 ) رموا به الغرض الأقصى فشافهه * مرّ القطاميّ جلَّي بعد ما لمحا من العراق إلى أجبال خرّمة ( 3 ) * يا بعده منبذا عنا ومطرّحا ليس الملوم الذي شدّ اليدين به * يضمم على الصفقة العظمى وقد ربحا إن أغمدوه فلم تغمد فضائله * ولا نأى ذكره الداني وقد نزحا وفي سنة 400 مات أبو أحمد الموسوي وسنه سبع وتسعون سنة ،
عبقرية الشريف الرضي — صفحة 126
مساهمون: زكي مبارك
ص١٢٦
هامش
( 1 ) الطود ، الجبل ، والقواعد : الأركان
( 2 ) رزح : ضعف وسقط ، إعياء ، أو هزالا .
( 3 ) خرمة على وزن سكرة موضع في أرض فارس .