ولكن لا بأس من الموافقة على أنه استطاع أن يرى أباه في ذلك العهد ، فنحن في سنة 374 وكان صمصام الدولة بدأ يشهد ضعف سلطانه في العراق . وفي هذه القصيدة يظهر شيء من البشاشة ، فنرى الشريف يتغزل فيقول : وماء تشيه الريح كلّ عشية * كما رقم البرد الصّبيغ يماني مررت بغزلان على جنباته * فأطلقن دمعي واحتبلن جناني ( 1 ) وعاجلني لوم ( 2 ) الرفيقين في الهوى * عشية مالي بالفراق يدان يقولان أحيانا بقلبك نشوة * وما علما أن الفراق سقاني وكم غادر البين المفرّق من فتى * يمسّح قلبا دائم الخفقان وما الحبّ إلا فرقة بعد ألفة * وإلا حذار بعد طول أمان وفي هذه القصيدة يعرّض الشريف بمن خذلوه من الأقارب ، ويذكر بعض ما لاقى من الخطوب ، ثم يمضي إلى مدح أبيه فيقول : وأبيض من عليا معدّ كأنما * تلاقى على عرنينه القمران ( 3 ) إذا رمت طعنا ( 4 ) بالقريض حميته * وإن رمت طعنا بالرماح حماني يجود إذا ضن الجبان بنفسه * ويمضي إذا ما زلَّت القدمان بصير بتصريف الأعنة إن سرى * ليوم نزال أو ليوم رهان ترامى به الأيام وهو مصمّم * كما يرتمي بالماتح الرجوان ( 5 ) إذا ما احتبى يوم الخصام كأنما * يحدثنا عن يذبل وأبان ( 6 ) أبا أحمد أنت الشجاع وإنما * نجرّ العوالي عرضة لطعان ولما غوى الغاوون فيك وفرّجت * ضلوع على الغل القديم حواني
عبقرية الشريف الرضي — صفحة 112
مساهمون: زكي مبارك
ص١١٢
هامش
( 1 ) في الديوان ( اختبلن ) بالخفاء المعجمة وهو تحريف .
( 2 ) في الديوان ( يوم ) والصواب ما أثبتناه .
( 3 ) العرنين بالكسر هو الأنف
( 4 ) أحب أن أقرأ : « إذا رام طعنا » .
( 5 ) الرجوان : مثني الرجا وهو ناحية البئر
( 6 ) يذبل وأبان : جبلان .