ومَن أَقْطَعُ عُذْراً من مُغِذٍّ « 1 » سَيراً يسكن إلى مُعَرّس « 2 » غَفلةٍ بأَدواء نَبوَة الدنيا « 3 » ومرارة العيش وطيب نسيم الغرور ، ( و ) « 4 » قد أمرَّت تلك الحلاوة على القرون الخالية ، وحال دون ذلك النسيم هَبَواتٌ وحسرات ، وكانت حركاتٌ فسكنت وذهب كلُّ عالم بما فيه .
فما عيشةً إلّا تزيد مرارةً * ولا ضِيقةٌ إلّا ويزداد ضَيقُها
فكيف يَرْقَأُ دَمعُ « 5 » لبيب أو يَهدَأ طرفُ مُتوسِّمٍ « 6 » على سوء أحكام الدنيا وما تَفْجَأُ به أهلها من تصرّف الحالات وسكون الحركات ، وكيف يسكن إليها مَن يَعْرِفُها وهي تَفْجَعُ الآباء بالأبناء ، وتُلهِي الأبناء عن الآباء ، تُعدِمُهُم أشجانَ قلوبهم وتسلُبهم قرّةَ عيونهم .
وتَرمِي قساوات القلوب بأسهُمٍ * وجَمْر فراقٍ لايَبُوخ حَرِيقُها
وما عسيتُ أن أَصِف من محن الدنيا ، وأبلُغَ من كشف الغطاء عمّا وُكِّل به دَورُ الفَلَك من علوم الغُيُوب ، ولستُ أذكر منها إلّا قليلًا أفنَتْهُ أو مُغيَّبَ ضَريحٍ تجافت عنه ، فاعتبرْ أيّها السامعُ بهلكات الأمم ، وزوالِ النعم ، وفظاعة ما تسمع وترى من سوء آثارها في الديار الخالية والرسوم الفانية والربوع الصُمُوت .
وكم عالَمٍ أفنَتْ فلم تَبْكِ شَجوَةً * ولابدّ أن تَفنى سريعاً لحوقها
فانظُر بعين قلبك إلى مصارع أهل البَذَخ ، وتأمَّلْ معاقِلَ الملوك ومصانعَ الجبّارين ، وكيف عركتْهم الدنيا بكلاكل الفَناء ، وجاهرتهم بالمنكرات وسَحَبَت عليهم أذيال البَوار ، وطحنتْهم طحنَ الرُحا للحَبّ ، واستَودَعَتْهم هُوج الرياح « 7 »
هامش
( 1 ) أغذّ السير : أسرع . ( المعجم الوسيط ) .
( 2 ) المعرّس : المكان ينزل فيه المسافر آخر الليل . ( المعجم الوسط ) .
( 3 ) نبوة الزمان : خطبه وجفوته .
( 4 ) شطب عليها في نسخة الكركي .
( 5 ) رقأ الدمع أو الدم : جفّ وانقطع بعد جريانه . ( المعجم الوسيط ) .
( 6 ) توسّم الشيء : تفرّسه .
( 7 ) البذخ : الكبر . والمعقل : الملجأ [ والحصن ] ، والجمع : معاقل . [ وعرك الشيء : حكّهحتّى محاه ] . والكلاكل : جمع كلكال وهو الصدر . [ وسحب الشيء : جرّه على الأرض ] . والبوار : الهلاك . والهُوج : جمع هَوجاء وهي الريح الّتي تقلع البيوت ، والهَوجاء : الناقة [ الّتي ] كأنّ بها هَوَجاً من سرعتها . ( الكفعمي ) .