في فُضالة « 1 » طرق الدنيا منقطعاً من الأخلّاء « 2 » ، فزادني جليل الخطب لفقدهم جوى وخانني الصبرُ ، حتّى كأنّي أوّل ممتحن أتذكّر معارف الدنيا وفراق الأحبّة .
فلو رجعت تلك الليالي كعهدها * رأت أهلها في صورة لا تروقها
فمن أَخُصُّ بمعاتبتي ومن أُرشِدُ بنُدبتي ومن أبكي ، ومن أَدَعُ ، أَشَجْواً بِهَلكة الأمواتِ أم بسوء خلف الأحياء ؟ وكلٌّ يَبْعَثُ حُزني ويَسْتأثر بعبراتي ، ومن يُسعِدُني فأبكي ، وقد سُلِبَت القلوبُ لُبَّها ، ورَقَأَ الدمعُ ، وحُقَّ للداء أن يذوبَ « 3 » على طول مجانبة الأطبّاء ، وكيف بهم وقد خالفوا « 4 » الآمرين ، وسبقهم زمان الهادين ، ووُكِلوا إلى أنفسهم يتنكّسون في الضلالات في دياجير الظلمات .
حَيارَى وليلُ القوم داجٍ نجومُه * طوامِسُ لا تجري بَطِيءٌ خفوقُها « 5 »
قلت : هذا الفصل من كلامه عليه السلام قد نظمه بعض الشعراء وأجاد في قوله :
قد كنتُ أبكي على ما فات من زمني * وأهلُ وُدّي جميعٌ غيرُ أشتاتِ
واليوم إذ فَرَّقت بيني وبينهم * نوىً بكيت على أهل المُروءاتِ
وما حياةُ امرئٍ أَضْحَت مدامعُه * مقسومةً بين أحياءٍ وأمواتِ
قال عليه السلام : « وقد انتَحَلَتْ طوائف من هذه الأمّة بعد مفارقتها أئمّة الدين والشجرة النبويّة إخلاصَ الديانة ، وأخذوا أنفسهم في مخائل الرهبانيّة ، وتغالَوْا « 6 » في العلوم ووصفوا الإيمان بأحسن صفاتهم ، وتحلّوا بأحسن السنّة ، حتّى إذا طال عليهم الأمدُ وبَعُدَت عليهم الشقّة ، وامتحنوا بمحن الصادقين ، رجعوا على أعقابهم ناكصين عن سبيل الهدى وعَلَم النجاة ، يتفسّخون تحت أعباء الديانة تفسّخ
هامش
( 1 ) الفضالة : البقيّة من الشيء . ( المعجم الوسيط ) .
( 2 ) في خ بهامش م : « من الأدلّاء » .
( 3 ) في ك : « يذاب » .
( 4 ) المثبت من ن ، ك ، وفي سائر النسخ : « خافوا » .
( 5 ) وانظر ترجمة الإمام السجّاد عليه السلام من تاريخ دمشق : ص 98 - 105 ح 135 فيها كلام على هذا السبك ، ومثله في البلد الأمين : ص 320 .
( 6 ) في ق ، م والبحار : « تعالوا » .