فما لبثنا إلّا أربع ليالٍ حتّى قدم الموكّلون به يطلبونه من المدينة فما وجدوه ، فكنت فيمن سألهم عنه فقال لي بعضهم : إنّا نراه متبوعاً إنّه لنازلٌ ونحن حوله لا ننام نرصده ، إذ أصبحنا فما وجدنا بين محمله إلّا حديدَهُ !
قال الزُهْري : فقدمت بعد ذلك على عبد الملك بن مروان فسألني عن عليّ بن الحسين ؟ فأخبرته ، فقال لي : إنّه جاءني في يومٍ فَقَدَهُ الأعوانُ فدخل عَلَيّ فقال :
« ما أنا وأنت » ؟ فقلتُ : أقِمْ عندي . فقال : « لا أُحِبُّ » ثمّ خرج ، فو اللَّه لقد امتلأ ثوبي منه خيفةً .
قال الزُهْري : فقلتُ : يا أميرَ المؤمنين ، ليس عليّ بن الحسين حيث تظنّ ، إنّه مشغول بربّه . فقال : حبّذا شُغْلُ مثلِه ، فنِعْمَ ما شُغِل به .
وكان الزُهْري إذا ذكر عليّ بن الحسين يبكي ويقول : زين العابدين « 1 » .
وقال أبو حمزة الثماليُّ : أتيتُ باب عليّ بن الحسين فكرهتُ أن أُصَوِّتُ فقعدتُ حتّى خرج فسلّمتُ عليه ودعوتُ له ، فردّ عَلَيّ ثمّ انتهى « 2 » إلى حائط ، فقال :
« يا أبا حمزة ألا ترى هذا الحائط » « 3 » ؟
فقلت : بلى يا بن رسول اللَّه .
قال : « فإنّي اتّكأتُ عليه يوماً وأنا حزين ، وإذا رجلٌ حَسَنُ الوجه حسن الثياب ينظر في تُجاهِ وَجهي ، ثمّ قال لي : يا عليّ بن الحسين ما لي أراك كئيباً حزيناً ،
هامش
( 1 ) مطالب السؤول : 2 : 43 - 44 .
والحديث ونحوه أخرجه أبو نعيم في الحلية : 3 : 135 ومن طريقه في ترجمة السجّاد عليه السلام من تاريخ دمشق : ( 42 ) وفي كفاية الطالب : ص 448 - 449 ، وابن حمدون في التذكرة : 1 : 109 / 210 ، وابن الجوزي في المنتظم : 6 : 330 - 331 ، وابن شهرآشوب في المناقب : 4 : 144 عن حلية الأولياء ووسيلة الملا وفضائل أبي السعادات .
بيان : قوله : « وإن بلغ بك وبأمثالك غمر » : أي شدّة . وقوله : « إنّا نراه متبوعاً » : أي يتبعه الجنّ ويخدمه ويطيعه ، قال الفيروزآبادي : التابعة : الجنّي والجنّية يكون مع الإنسان يتبعانه حيث ذهب . ( البحار : 46 : 124 ) .
( 2 ) في ن : « ثمّ أشار » .
( 3 ) في م والمصدر : « ترى هذا الحائط » .