ألا تسمع ما ذكر اللّه في كتابه :
وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ
« 1 » . فما يمنعك أن لا تقاتل « 2 » كما ذكر اللّه في كتابه ! ؟
فقال : يا ابن أخي ، أعيّر بهذه الآية ولا أقاتل ، أحبّ إليّ من أن أعيّر بهذه الآية الّتي يقول اللّه تعالى :
وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها
« 3 » . قال : فإنّ اللّه يقول :
وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ !
قال ابن عمر : قد فعلنا على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إذ كان الإسلام قليلا ، فكان الرجل يفتن في دينه ؛ إمّا يقتلوه وإمّا يوثّقوه « 4 » ، حتّى كثر الإسلام فلم تكن فتنة !
فلمّا رأى [ الرجل ] أنّه لا يوافقه فيما يريد ، قال : فما قولك في عليّ وعثمان ؟ « 5 »
قال ابن عمر : ما قولي في عليّ وعثمان ؟ أمّا عثمان فكان اللّه قد عفا عنه . وأمّا عليّ فابن عمّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وختنه « 6 » ، وأشار بيده . وقال : هو ذاك بيته أوسط بيوت النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . وفي رواية النسائي : « ولكن انظر إلى منزلته من نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ليس في المسجد غير بيته ، حيث ترون » « 7 » .
[ 2 / 5287 ] وأخرج عن سعيد بن جبير ، قال : خرج إلينا ابن عمر ، فقال له رجل : كيف ترى في قتال الفتنة ؟ فقال : وهل تدري ما الفتنة ؟ كان محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يقاتل المشركين ، وكان الدخول عليهم فتنة ، وليس كقتالكم على الملك . « 8 » يشير إلى ما خاضه ابن الزبير وآل أميّة في قتال دام لا شأن له
هامش
( 1 ) الحجرات 49 : 9 .
( 2 ) أي ما يمنعك من الجهاد بأن لا تقاتل . قال ابن حجر : « لا » زائدة . وقد تقدّم تقريره في تفسير سورة الأعراف عند قوله :ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ .( فتح الباري 8 : 232 ) .
( 3 ) النساء 4 : 93 .
( 4 ) قال ابن حجر : إسقاط النون من غير جازم ولا ناصب ثابت في اللغة وشائع . ويروى بإثبات النون أيضا . ( فتح الباري 8 :
233 ) .
( 5 ) قال ابن حجر : يبدو أنّ السائل كان من الخوارج ، فإنّهم كانوا يتوالون الشيخين ويحطّون عثمان وعليّا ، فردّ عليه ابن عمر بذكر مناقبهما ومنزلتهما من النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والاعتذار عمّا عابوا به عثمان من الفرار يوم أحد ، بأنّ اللّه عفى عنه . قال : وقد عابوه فراره يوم أحد ، وغيابه عن بدر وعن بيعة الرضوان .
( 6 ) الختن : زوج الابنة .
( 7 ) البخاري 5 : 157 . وصحّحنا الحديث وأكملناه على شرح ابن حجر في الفتح 8 : 233 .
( 8 ) البخاري 5 : 200 ، و 8 : 95 .