نعم ، لو كان هناك إجماع على ترك الأخذ بظاهر الآية ، فإنّما هو بالنظر إلى فرض الوصيّة ، حيث لم يقل أحد بأنّها واجبة أمّا الندب إليها والترغيب إلى الإيصاء بشأن ذوي الحاجة من الأقربين - الوارثين منهم وغير الوارثين - فهذا لا ينفيه الإجماع والآية لا تدلّ على أكثر من ذلك ، فهي ثابتة الحكم ومحكمة المفاد أبدا « 1 » .
قال العلّامة الطبرسيّ : والصحيح عند المحقّقين من أصحابنا أنّها غير منسوخة أصلا ، إذ لا منافاة بين آية الوصيّة وآية المواريث . وحديث « لا وصيّة لوارث » لم يصحّ عندنا . والإجماع - على الخلاف - لم يتحقّق . « 2 »
* * * وممّا قيل بنسخه أيضا قوله تعالى :
وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا . وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً
« 3 » .
قالوا : كانت المرأة إذا فجرت وقامت عليها الشهود حبست في بيت وهوجرت إلّا من يأتيها بطعام وشراب ، حتّى يتوفّاها الموت .
وكان الرجل إذا فجر أوذي بالتعيير والتعنيف حتّى يئوب ويتوب . قالوا : فنسختا بشريعة الحدود : الجلد والرجم .
وقد تظافر بذلك الأحاديث ، وأجمع عليه المفسّرون وحسبوا من الفحشاء هنا أنّه الزنا . وشذّ أبو مسلم وزعم أنّها في الآية الأولى هي المساحقة ، وفي الثانية هي اللواطة . « 4 »
قال الطبرسي : وقول أبي مسلم مخالف للإجماع ولما عليه المفسّرون ، فإنّهم أجمعوا على أنّ المراد بالفاحشة هنا هو الزنا . « 5 »
وقال الجصّاص : إنّ الأمّة لم تختلف في نسخ هذين الحكمين عن الزانيين . « 6 »
هامش
( 1 ) راجع : التبيان 2 : 107 - 108 .
( 2 ) مجمع البيان 1 : 267 .
( 3 ) النساء 4 : 15 - 16 .
( 4 ) ورجّحه الإمام عبده وارتآه . قال : فالحقّ أنّ ما ذهب إليه أبو مسلم هو الراجح في الآيتين . ( المنار 4 : 439 )
( 5 ) مجمع البيان 3 : 20 .
( 6 ) أحكام القرآن 2 : 107 .