[ إدامة تفسير سورة البقرة في ضوء الدّلائل والبيّنات ]
قال تعالى :
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 47 إلى 48 ]
يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ ( 47 ) وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 48 )
تأكيد وتكرار لما سبق من التذكير .
والتفصيل المنوّه عنه في الآية بشأن بني إسرائيل ، تفضيل موقوت بزمان استخلافهم واختيارهم . فأمّا بعد ما عتوا عن أمر ربّهم وعصوا أنبياءهم وجحدوا نعم اللّه عليهم ونبذوا العهود والمواثيق ، فقد أعلن اللّه حكمه عليهم باللعنة والغضب والذلّة والمسكنة ، وقضى عليهم بالبعثرة والتشريد وحقّ عليهم الوعيد .
وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً
« 1 » . نعم وفي نفس الوقت تذكير لهم بما كان لهم من فضل اللّه عليهم وعهده إليهم ، وإطماع لهم لينتهزوا الفرصة المتاحة على يدي الدعوة الإسلامية ، فيعودوا إلى موكب الإيمان وإلى عهد اللّه ، شكرا على تفضيله لآبائهم .
ورغبة في العودة إلى مقام التكريم الّذي يناله المؤمنون .
هذا ، ومع الإطماع في الفضل والنعمة ، تحذير من اليوم الّذي
لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً ؛
حيث التبعة هناك فرديّة والحساب شخصيّ ، وكلّ نفس مسؤولة عن ذاتها ولا تغني نفس عن نفس شيئا .
وهذا هو المبدأ الإسلامي الحنيف ، مبدأ التبعة الفرديّة القائمة على الإرادة والتمييز من الإنسان ذاته ، وعلى العدل المطلق من اللّه ! وهو أقوم المبادئ الّتي تشعر الإنسان بكرامته ، والتي تستجيش اليقظة الدائمة في ضميره . وكلاهما عامل قويّ من عوامل التربية ، فوق أنّه قيمة إنسانيّة تضاف إلى رصيده من القيم التي يكرمه بها الإسلام .
وهكذا
وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ
إذ لا تنفع يومئذ شفاعة من لم يقدّم إيمانا
هامش
( 1 ) الإسراء 17 : 8 .