تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثرى الجامع — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
الإسلام قوّة يحسب حسابها كلّ أحد ؛ ويضطرّ لمصانعتها كثيرا أو قليلا - وبخاصّة بعد غزوة بدر وانتصار المسلمين فيها انتصارا عظيما - وفي مقدّمة من كان مضطرّا لمصانعتها نفر من الكبراء ، دخل أهلهم وشيعتهم في الإسلام وأصبحوا هم ، ولا بدّ لهم - لكي يحتفظوا بمقامهم الموروث بينهم وبمصالحهم كذلك - أن يتظاهروا باعتناق الدّين الّذي اعتنقه أهلهم وأشياعهم . ومن هؤلاء عبد اللّه بن أبيّ ابن سلول الّذي كان قومه ينظّمون له الخزر ليتوّجوه ملكا عليهم قبيل مقدم الإسلام على المدينة . ونجد في أوّل السورة وصفا مطوّلا لهؤلاء المنافقين ، ندرك من بعض فقراته : أنّ المعنيّ به في الغالب هم أولئك الكبراء الذين أرغموا على التّظاهر بالإسلام ، ولم ينسوا بعد ترفّعهم على جماهير الناس ، وتسمية هذه الجماهير بالسفهاء على طريقة المتكبّرين ! وفي ثنايا هذه الحملة على المنافقين - الّذين في قلوبهم مرض - نجد إشارة إلى شياطينهم ، والظاهر من سياق السورة ومن سياق الأحداث في السيرة : أنّها تعني اليهود ، الذين تضمّنت السورة حملات شديدة عليهم فيما بعد . ولقد كانت معجزة الإسلام الخالدة : أنّ صفتهم - اليهود - الّتي دفعهم بها ، هي الملازمة لهم في كلّ أجيالهم ، من قبل الإسلام ومن بعده إلى يومنا هذا . ممّا جعل القرآن يخاطبهم في عهد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كما لو كانوا هم أنفسهم الّذين كانوا على عهد موسى عليه السّلام وعلى عهود خلفائه من أنبيائهم ، باعتبارهم جبلّة واحدة ، سماتهم هي هي ، ودورهم هو هو ، وموقفهم من الحقّ والخلق هو موقفهم على مدار الزّمان ! ومن ثمّ يكثر الالتفات في السياق من خطاب قوم موسى ، إلى خطاب اليهود في المدينة ، إلى خطاب أجيال بين هذين الجيلين . ومن ثمّ تبقى كلمات القرآن حيّة كأنّما تواجه موقف الأمّة المسلمة اليوم وموقف اليهود منها . وتتحدّث عن استقبال يهود لهذه العقيدة ولهذه الدعوة ، اليوم وغدا ، كما استقبلتها بالأمس تماما ! وكأنّ هذه الكلمات الخالدة هي التنبيه الحاضر ، والتحذير الدائم للأمّة المسلمة ، تجاه أعدائها الذين واجهوا أسلافها بما يواجهونها اليوم به من دسّ وكيد ، وحرب منوّعة المظاهر ، متّحدة الحقيقة ! * * *