تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثرى الجامع — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨
ولكي يتّضح مدى الارتباط بين محور السورة وموضوعاتها من جهة ، وبين خطّ سير الدعوة أوّل العهد بالمدينة ، وحياة الجماعة المسلمة وملابساتها من الجهة الأخرى ، أخذ يشرح من تلك الملابسات ما يرتبط ومواجهة نزول آيات السورة ابتداء ، مع التنبيه الدائم إلى أنّ هذه الملابسات في عمومها هي الملابسات الّتي ظلّت الدعوة الإسلاميّة وأصحابها يواجهونها - مع اختلاف يسير - على مرّ العصور وكرّ الدهور ، من أعدائها وأوليائها على السواء . ممّا يجعل هذه التوجيهات القرآنيّة هي دستور هذه الدعوة الخالد ، ويبثّ في هذه النصوص حياة تتجدّد لمواجهة كلّ دور وكلّ طور ، ويرفعها معالم للطريق أمام الأمّة المسلمة تهتدي بها في طريقها الطويل الشاقّ ، بين العداوات المتعدّدة المظاهر المتوحّدة الطبيعة . وهذا هو الإعجاز يتبدّى جانب من جوانبه في هذه السمة الثابتة المميّزة في كلّ نصّ قرآني ! وأخذ يصف موقف الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قبل الهجرة ومحاولاته في بناء الجماعة المسلمة ذات الترابط الحكيم . ثمّ هجرته إلى المدينة وتأسيسه لحكم إسلامي قويّ الشوكة رهيب . وتلك معاهداته مع قبائل العرب واليهود على سواء . وأخيرا يقول : من أولئك السابقين من المهاجرين والأنصار تكوّنت طبقة ممتازة من المسلمين نوّه القرآن بها في مواضع كثيرة . وهنا نجد السورة تفتتح بتقرير مقوّمات الإيمان ، وهي تمثّل صفة المؤمنين الصادقين إطلاقا . ولكنّها أوّلا تصف ذلك الفريق من المسلمين الّذي كان قائما بالمدينة حينذاك . ثمّ نجد بعدها مباشرة في السياق وصفا للكفّار ؛ وهو يمثّل مقوّمات الكفر على الإطلاق . ولكنّه أوّلا وصف مباشر للكفّار الّذين كانت الدعوة تواجههم حينذاك ، سواء في مكّة أو فيما حول المدينة ذاتها من طوائف الكفّار . كذلك كانت هناك طائفة المنافقين . ووجود هذه الطائفة نشأ مباشرة من الأوضاع الّتي أنشأتها الهجرة النبويّة إلى المدينة في ظروفها التي تمّت فيها ، ولم يكن لها وجود بمكّة . فالإسلام في مكة لم تكن له دولة ولم تكن له قوّة ، بل لم تكن له عصبة يخشاها أهل مكّة فينافقونها ، على الضدّ من ذلك كان الإسلام مضطهدا ، وكانت الدعوة مطاردة ، وكان الّذين يغامرون بالانضمام إلى الصفّ الإسلامي هم المخلصون في عقيدتهم ، الذين يؤثرونها على كلّ شيء ويحتملون في سبيلها كلّ شيء . فأمّا في يثرب الّتي أصبحت منذ اليوم تعرف باسم المدينة - أي مدينة الرسول - فقد أصبح