تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثرى الجامع — صفحة 324

مساهمون:

ص٣٢٤
الفضاء ، لأنّه تصوّر مادّي عن أمر هو يفوق المادّة ومتجرّد عنه . وعليه ، فقس كلّ ما جاء في أمثال هذه التعابير . فلا تتصوّر من الشياطين أجساما على مثال الأناسي والطيور ، ولا رجمها بمثل رمي النشّاب إليها ، ولا مرودها بمثل نفور الوحش ، ولا اسّماعها في محاولة الصعود إلى الملأ الأعلى بالسارق المتسلّق على الحيطان ، ولا قذفها بمثل قذف القنابل والبندقيّات ، ولا الحرس الّذين ملئوا السماء بالجنود المتصاكّة في القلاع . ولا رصدها بالكمين لها على غرار ميادين القتال . إذ كلّ ذلك تشبيه وتمثيل وتقريب في التعبير لأمر غير محسوس إلى الحسّ لغرض التفهيم ، فهو تقريب ذهني ، أمّا الحقيقة فالبون شاسع والشقّة واسعة والمسافة بينهما بعيدة غاية البعد . قال العلّامة الطباطبائي : إنّ هذه التعابير في كلامه تعالى من قبيل الأمثال المضروبة ، ليتصوّر بها الأمور الخارجة عن محدودة الحسّ في صور المحسوسات للتقريب إلى الأذهان . وهو القائل عزّ وجلّ :
وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ
« 1 » أي لا يتعقّلها ولا يعرف مغزاها إلّا من عرف أنّها أمثال ظاهريّة ضربت للتقريب محضا . قال : وأمثال هذه التعابير كثير في القرآن كالحديث عن العرش والكرسي واللوح والكتاب وغيرها . قال : وعلى هذا ، فيكون المراد من السماء الّتي ملأتها الملائكة : عالما ملكوتيّا هو أعلى مرتبة من العالم المشهود ، على مثال اعتلاء السماء الدنيا من الأرض . والمراد من اقتراب الشياطين إليها واستراق السمع والقذف بالشهب : اقترابهم من عالم الملائكة لغرض الاطّلاع على أسرار الملكوت ، وثمّ طردهم بما لا يطيقون تحمّله من قذائف النور . أو محاولتهم لتلبيس الحقّ الظاهر ، وثمّ دحرهم ليعودوا خائبين « 2 » .
بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ
« 3 » . والآيات من سورة الجنّ لعلّها إشارة إلى هذا المعنى ، حيث هي ناظرة إلى بعثة نبيّ الإسلام ، وقد أيس الشيطان من أن يعبد وعلا نفيره . [ 2 / 929 ] قال الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام : « ولقد سمعت رنّة الشيطان حين نزل الوحي عليه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم
هامش
( 1 ) العنكبوت 29 : 43 . ( 2 ) الميزان 17 : 124 نقلا مع تصرّف يسير . ( 3 ) الأنبياء 21 : 18 .
التفسير الأثرى الجامع — صفحة 324 | الشيخ محمد هادي معرفة