تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثرى الجامع — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
وهذا معنى إسجاد الملائكة له ، وهم القوى العاملة تعمل في صالح الحياة :
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ . . . .
كناية عن خضوع كافّة القوى العاملة ، في صالح الإنسان . تجاه القوى المعارضة المضادّة لمصالحه
إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ .
فقد كانت جنود إبليس تعمل في مضادّة مصالح الإنسان وإفساد الحياة عليه . فكان عليه أن يكافحهم مبلغ جهده في الحياة . ومن ثمّ فالإنسان في هذه الحياة يمتلك قدرة جبّارة على التسخير والمكافحة معا ، فلا يتهاون في هذا ولا يتكاسل عن ذاك . وليكن على نشاط دائم في عمارة الأرض وازدهار الحياة ، وفي كفاح ونضال مع المرديات . هذا جانب من وصف الإنسان حسبما عرضه القرآن ، ولعلّه أجمل وصف وأكمله بشأن الإنسان وحياته هذه الحاضرة ، وهي تمهيد للحياة الأخرى الباقية . ولم تشهد البشريّة وصفا أدقّ ممّا وصفه القرآن ، ولم يسجّل التاريخ وصفا جامعا ووافيا بشأن هذه الحياة ممّا ذكره القرآن . كما لم يأت من بعد وصف ولا ذكر كهكذا وصف جميل دقيق . هذا بشأن الإنسان وهذه الحياة قبل الحياة الأخرى . وهكذا أوصاف جاءت في القرآن بشأن المبدأ والمعاد ، والحديث عن سرّ الوجود وحكمة الحياة ، وغير ذلك من معارف كان يتطلّبها الإنسان منذ أن وضع قدمه على عرصة الوجود . فوجدها في تعاليم القرآن ومحكمات آياته الكريمة . وإذ لم يتأتّ لأي متفكّر جاء بعد ، أن يأتي بمثل هذا الجمال في الوصف عن الحياة . اللّهمّ سوى اقتباسات من نصوص الوحي الرشيدة . فكان أكبر دليل على إعجاز هذا الكتاب الخالد مع الأبد . وفيما سطّرناه في باب الإعجاز التشريعي للقرآن من « التمهيد » ، تبيين أكثر . مهما كان ضئيلا في جنب عظمة القرآن المجيد . * * * الوجه الخامس : إشارات علميّة ، جاءت عابرة ، تكشف عن أسرار مودعة في كمون الطبيعة ، لم تكن تعرفها البشرية لحدّ ذاك اليوم ، وإنّما كشف عنها العلوم في ظلّ تجارب عنيفة كابدها الإنسان في آماد وأحقاب ولا يزال . فالإشارة إليها في لسان الوحي المبين ، تنمّ عن إحاطة واسعة حظي بها صاحب الكلام ، وهو