تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثرى الجامع — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ .
والتحدّي هنا عجيب ، والجزم بعدم إمكانه أعجب ! ولو كان في الطاقة تكذيبه ما توانوا عنه لحظة . وما من شكّ أنّ تقرير القرآن الكريم أنّهم لن يفعلوه ، وتحقّق هذا العجز على صفحة التاريخ كما قرّره القرآن ، هو بذاته معجزة باهرة لا موضع للمماراة فيها . وهذه هي كلمة الفصل التاريخيّة الخالدة . ومن ثمّ كان المراء فيها بعد هذا الوضوح ، لا ينشأ إلّا عن جهالة مقيتة أو غرض خبيث ، فكان موضعا لمثل هذا التهديد المخيف :
فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ .
يعني : فإذ قد أمكنتكم الجهالات والأحقاد ، الجحود والمماراة ، فلتسعكم التحرّز عن العقوبات الّتي تنتظركم ، وهي من أشدّ العقوبات . وهي النار الّتي تلتهم الحجر الصلد ، فكيف بذوي الأجسام النحاف ! ! وفي الجمع بين الحجارة والناس هنا دقيقة ظريفة : إذ الّذي يجحد البرهان اللائح ، إنّما هو في صورة إنسان ، ولكنّه في واقعه حجارة خشناء . فليكن إلى جنبها في الابتعاد عن إدراك الفضائل والمكرمات . وكذا في التعبير بقوله :
مِنْ مِثْلِهِ
إشارة إلى أنّ النبيّ محمّدا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لو فصل عن مقام رسالته وجحدت نبوّته ، لأصبح عربيّا متجرّدا عائشا في أحضان الجاهليّة الجرداء . على غرار سائر العرب لا شأن لهم في ميادين الحضارة الراقية ، ولا عهد بالعلوم والمعارف السامية . فشأنه - والحال هذه - شأن أمثاله العرب العرباء . إذن فكان يمكنهم أن يأتوا برجل منهم يكافئ محمّدا في مثل حديثه . وإذ لم يأتوا - ولن يأتوا - فليعلموا أنّما أنزل بعلم اللّه « 1 » ، لا يد لأيّ إنسان عائش على الأرض في نظم مثل هذا التأليف الأنيق الفخيم ، والمعجز الخارق القويم . * * * وفي مقابل ذلك المشهد المفزع ، يعرض المشهد المشرّف ، مشهد النعيم الّذي ينتظر أصحاب الإيمان .
هامش
( 1 ) من الآية 13 من سورة هود .