تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الأثرى الجامع — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
ولكنّنا حين نتجاوز نطاق الزمان والمكان ، نجدها نموذجا مكرورا في أجيال البشريّة جميعا . نجد هذا النوع من المنافقين من عليّة النّاس « 1 » الّذين لا يجدون في أنفسهم الشجاعة ليواجهوا الحقّ بالإيمان الصادق ، أو يجدون في نفوسهم الجرأة ليواجهوا الحقّ بالإنكار الصريح ، وهم في الوقت ذاته يتّخذون لأنفسهم مكان الترفّع على جماهير الناس ، وعلى تصوّرهم للأمور ! وهؤلاء قد اضطرّتهم المقادير على الإخضاع للجوّ الساطي ، ولو ظاهريّا ، فيدّعون الإيمان ، وهم في الحقيقة ليسوا بمؤمنين ، ولكنّهم يحاولون خداع المؤمنين ، ويظنّون في أنفسهم الذّكاء والدّهاء والقدرة على خداع هؤلاء البسطاء ، ولكن القرآن يصف حقيقة فعلتهم ، فهم لا يخدعون المؤمنين ، إنّما ينخدعون هم مغبّة غبائهم في تقدير الأمور .
يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا
يحاولون خداعهم في سفاهة من الرأي .
وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ ،
إنّهم في غفلة بحيث لا يشعرون أنّهم فضحوا أنفسهم وسقطوا في أيديهم ، ويحسبون أنّهم الظافرون . وفي هذا النصّ وأمثاله - في القرآن - تقرير فخيم عن حقيقة كبيرة ، هي أكبر دعامة يستند إليها المؤمنون طول حياتهم الإيمانية وطول مكافحتهم ضدّ الباطل . وهي حقيقة الصلة بين اللّه وبين المؤمنين حقّا . إنّه يجعل صفّهم صفّه ، وأمرهم أمره ، وشأنهم شأنه . يضمّهم سبحانه إليه ، ويأخذهم في كنفه ، ويجعل عدوّهم عدوّه ، وما يوجّه إليهم من مكر ودسائس ، فهو موجّه إليه تعالى في حقيقته . وهذا هو التفضّل العلويّ الكريم ، التفضّل الّذي يرفع مقام المؤمنين إلى ذاك المستوى الرفيع ، والّذي يوحي بأنّ حقيقة الإيمان في هذا الوجود هي أكبر وأكرم الحقائق ، والّذي يفيض على قلب المؤمن طمأنينة لا حدّ لها ، وهو يرى ربّه الكريم يجعل قضيّته هي قضيّته ، ومعركته هي معركته ، ويأخذه في صفّه ويرفعه إلى جواره الكريم . . فما ذا يكون العبيد وكيدهم الحقير ! وهو في ذات الوقت تهديد رعيب للّذين يحاولون المراوغة مع المؤمنين وإيقاع الكيد بهم . تهديد بأنّ معركتهم ليست مع المؤمنين وحدهم ، إنّما هي مع اللّه المقتدر الجبّار القهّار ذي القوّة المتين . وأنّهم إنّما يحاربون اللّه - علانية - حين يحاربون أولياءه - مراوغة - وإنّما يتصدّون لنقمة اللّه حين يحاولون هذه المحاولة اللئيمة .
هامش
( 1 ) أي من طبقة الأشراف فيما حسبوا .