مثالية الإله سيّد الجميع .
* * * أمّا اليهود - الذين حافظوا بعض الشيء على فكرة التوحيد - فإنّهم أنفسهم قد شوّهوا مقداراً من تلك الفكرة ومسخوها مسخاً « 1 » . كان اليهود قد وفدوا إلى شبه جزيرة العرب على عدّة فترات ، ولا شكّ أنّ الصفات المميّزة - التي قادت الإسرائيليين مراراً إلى الميل ثمّ التردّي في عبادة الأوثان في دمارهم الأصلية .
قد ازدادت عند هجرتهم إلى الجزيرة بتأثّرهم بوثنية إخوانهم العرب ، وكان ذلك طبيعياً ، وقد كان لدى فكرة ربّ إبراهيم أن يضحّوا إليها مفهوماً مادّياً للخالق . وكانت عبادة الناموس منحرفة إلى درجة الوثنية بين آخر مجموعة يهودية وفدت إلى الجزيرة . وكانوا يحترمون الكتبة والأحبار ويقدّرونهم إلى حدّ تقديسهم « 2 » . وكان هؤلاء الأحبار ينظرون إلى أنفسهم على اعتبار أنّهم صفوة الشعب وأنّهم صلة الوصل باللَّه وأكثر الناس قربى من اللَّه .
وبالإضافة إلى ذلك ، فإنّ الجماهير اليهودية لم تترك عبادة التيرافيم ، وهي عبارة عن آلهة كانوا يحتفظون بها في بيوتهم ، قد صنعوها على شكل بني البشر ، وكانوا يستشيرون هذه الآلهة في كلّ المناسبات ، على اعتبار أنّها آلهتهم الخاصّة التي تتلقى الوحي من اللَّه .
ولا بدّ أن تكون هذه العبادة قد تعزّزت وارتفع شأنها عن طريق الاتّصال مع الوثنيين العرب .
ونحن نرى أنّ الفلسفة الكلدوزرادشتية قد تركت أثرها الذي لا يمحى على التقاليد اليهودية من جهة ، ومن جهة أخرى فقد كان أعظم مفكّريهم - حين يحاولون إدخال الاعتقاد بالعلّة الأولى إلى آراء وتصانيف فلاسفة اليونان والرومان - يُشرّبون مدراس الفكر
هامش
( 1 ) .« وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ »( التوبة : 30 ) .
( 2 ) .« اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ »( التوبة : 31 ) .