اللَّه المستقيم ، صراطاً واحداً وهدفاً واحداً ، لا تنافر ولا تنافي ولا تعدّد ولا اختلاف .
والدليل على ذلك أنّ هذا القرآن يصدّق بأنبياء سالفين وبشرائعهم وكتبهم وما بلّغوا من رسالات اللَّه ، ولو كان هناك تنافٍ وتنافر لما صحّ هذا التصديق .
وقد جاء هذا التصديق بلفظة
« مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ »
في ثمانية مواضع من القرآن « 1 » .
وبلفظة
« مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ »
في ثلاثة مواضع « 2 » .
وبلفظة
« مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ »
في ثلاثة مواضع « 3 » .
ومن ثمّ قال :
« إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ . . .
فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ . . .
وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَ أَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ »
« 4 » .
وفي الآية وما يتعقّبها نكات وظرف دقيقة :
منها : قوله : « مصدّقاً لما معهم » أو « مصدّقاً لما معكم » - في آية أخرى - وهذا تنويه بأنّ المتبقّى من التوراة ليس كلّها وإنّما هو بعضها . . . لكنّه لم يقل : « لما بقي من التوراة عندكم » وعبّر « بما معكم » لئلّا يتنبّه اليهود إلى ذريعة أخرى لعلّهم يتذرّعون بها ، هوأنّ المنافرة إنّما كانت بين القرآن وما ذهب من التوراة ، فيجادلون الإسلام بهذه الطريقة . . . وهي طريقة أخذ ما تسالم الخصم دليلًا عليه .
ولم يقل : « مصدّقاً بالتوراة عندكم » لأنّه حينذاك كان اعترافاً بأنّ الموجود هو تمامها لا بعضها .
هامش
( 1 ) . البقرة : 97 ، آل عمران : 3 ، المائدة : 46 مرّتين و 48 ، الأنعام : 92 ، فاطر : 31 ، الأحقاف : 30 .
( 2 ) . البقرة : 89 و 90 و 101 .
( 3 ) . البقرة : 41 ، آل عمران : 81 ، النساء : 47 .
( 4 ) . آل عمران : 19 و 20 .