ولمّا كانت مظنّة سلامة الأشجار عن الاحتراق - لما فيها من رطوبة وخضر - احتاط تلافيه بقوله : « فَاحتَرَقَت » أي كانت شدّة الإعصار ووهجة النار بحيث أثّرت في يبسها واحتراقها في نهاية الأمر . ففي هذه التتميمات المتتالية المتنوّعة كمال إيفاء بالمقصود ، ليس يوجد مثله في سائر الكلام . وهذا كما قال ابن معصوم : وللَّه درّ شأن القرآن ومدى اعتلاء بلاغته الخارقة ! « 1 »
الاستخدام
أن يؤتى بلفظ يحتمل معنيين أو معاني ، فيراد به أحد معانيه ، ثم يتعقّب بما يفهم منه إرادة معناه الآخر ، مجازاً أو حقيقةً بالاشتراك ، أعمّ منه أو أخصّ أو مباين .
وهي طريقة في البيان أشبه بالتورية ، قلّ من يستطيع سلوكها بسلام وتجنّب لأخطارها ، من الوقوع في الكذب أو التشويش على السامع ، بإجمال أو إبهام في كلام .
لكنّه فنّ بديع وأسلوب رقيق ، إن دلّ فإنّما يدلّ على سلطة في البيان ، ويكون آخذاً وثيقاً بأعنّه الكلام يوجّهه حيثما شاء ، لا يخاف دركاً ولا يخشى . وقد استعمله القرآن بسهولة ويُسر وسلامته عن الخلل والفساد ، الأمر الذي لا يوجد نظيره في سائر الكلام .
من ذلك قوله تعالى :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا »
« 2 » .
فالصلاة مراد بها أولًا معناها المعهود . لكنّه في قوله :
« وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ »
أريد موضعها وهو المسجد ، حيث كان المتعارف إيقاع الصلاة فيه ذلك العهد .
ومنه قوله تعالى :
« وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ
- إلى قوله -
وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ »
« 3 » .
هامش
( 1 ) . بديع القرآن : ص 46 - 48 .
( 2 ) . النساء : 43 .
( 3 ) . البقرة : 229 .