يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً »
« 1 » .
فجعل عجزهم علماً للرسالة ، فلو قدروا ما أقصروا ، إذ قد بذلوا أرواحهم في إطفاء نوره وتوهين أمره ، فلمّا رأيناهم تارةً يقولون :
« لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ »
« 2 » وتارةً يقولون :
« لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا »
« 3 » ، وتارةً يصفونه بأنّه
« أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ »
« 4 » وتارةً يقولون :
« لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً »
« 5 » وتارةً يقولون :
« ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ »
« 6 » كلّ ذلك عجزاً عن الإتيان بمثله ، علمنا قصورهم عنه ، ومحال أن يقال : إنّه عورض فلم ينقل ، فالنفوس مهتزّة لنقل ما دقّ وجلّ . وقد رأينا كتباً كثيرة صنّفت في الطعن على الإسلام قد نقلت وتدووِلت « 7 » .
ويمتاز القرآن على سائر المعاجز بأنّه يضمّ - إلى جانب كونه معجزاً - جانب كونه كتاب تشريع ، فقد قُرن التشريع بإعجاز ووُحّد بينهما ، فكانت دعوة يرافقها شهادة من ذاتها ، دلّ على ذاته بذاته .
قال العلّامة ابن خلدون : إعلم أنّ أعظم المعجزات وأشرفها وأوضحها دلالة القرآن الكريم المنزل على نبيّنا محمّد صلى الله عليه وآله . فإنّ الخوارق في الغالب تقع مغايرة للوحي الذي يتلقّاه النّبيّ ويأتي بالمعجزة شاهدة بصدقه ، والقرآن هو بنفسه الوحي المدّعي ، وهو الخارق المعجز ، فشاهده في عينه ولا يفتقر إلى دليل مغاير له كسائر المعجزات مع الوحي ، فهو أوضح دلالة ، لاتّحاد الدليل والمدلول فيه .
هامش
( 1 ) . الإسراء : 88 .
( 2 ) . فصّلت : 26 .
( 3 ) . الأنفال : 31 .
( 4 ) . النحل : 24 .
( 5 ) . الفرقان : 32 .
( 6 ) . يونس : 15 .
( 7 ) . عن مقدّمته على التفسير : ص 102 - 104 .