قيل : ما هي المناسبة القريبة بين الأمر باستجابة الرسول فيما إذا دعاهم إلى الحياة والتهديد بالحيلولة بين المرء وقلبه ؟
وقد أخذت الأشاعرة - وفي مقدّمتهم شيخ المتشكّكين الإمام الرازي « 1 » - من هذه الآية - نظراً إلى الذيل - دليلًا على القول بالجبر بأنّ اللَّه هو الذي يجعل المؤمن مؤمناً والكافر كافراً
« يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ »
« 2 » .
وذهب عنهم أنّ الدعوة في صدر الآية دليل على الاختيار . وحاشا القرآن أن يتناقض كلامُه في آية واحدة .
وحاول العلماء تفسير الآية بوجوه أدقّ وأوفى ، منها : أنّ في القلب نقطة تحوّلات مفاجئة ، قد يتحوّل الإنسانُ من حالة إلى أخرى في مصادفة مباغتة ، فينقلب الشقيُّ سعيداً أو السعيدُ شقيّاً ، لمواجهة غير مترقّبة عارضت مسيرته التي كان عليها ، زاعماً عكوفه عليها مدّة حياته ، ولكن رغم مزعومه أخذ في التراجع والانعطاف إلى خلاف مسيره .
وهذا ، لِخَلْقِ الخوف والرجاء ، وطرد اليأس والغرور .
وهذا من أعظم التربية للنفوس البشرية ، فلا يأخذها القنوط واليأس إن هي أسرفت في التمرّد والعصيان ، ولا يسطو عليها العُجب والاغترار إن هي بلغت مدارج الكمال .
ومنها : أنّ الإسلام دعوة إلى الحياة العُليا والسعادة القُصوى . كما أنّ في رفضها والتمرّد عن تعاليمها إماتة للقلوب ، وبذلك تموت معالم الإنسانية في النفوس وتذهب كرامتها أدراج الرياح ، وإذاً بهذا الإنسان دابّة ، فبدلًا من أن يمشي على أربع ، يمشي على رجلين لا أكثر من ذلك ، وفي ذلك هبوط من قمّة الشموخ إلى حضيض الهمجية والابتذال .
« وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ »
« 3 » .
« وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ
هامش
( 1 ) . التفسير الكبير : ج 15 ص 147 - 148 و 181 - 182 .
( 2 ) . النحل : 93 ، فاطر : 8 .
( 3 ) . الأعراف : 176 .