الاصطراخ الذي لا يجد من يهتمّ بشأنه أو يلبّيه . وتلمح من وراء ذلك كلّه صورة ذلك العذاب الغليظ الذي هم فيه يصطرخون .
وحين يستقلّ لفظ واحد بهذه الصُور كلّها ، ويدلّك اللفظ عليه قبل دلالة المعنى ، يكون ذلك فنّاً من التناسق البديع « 1 » .
وعندما تستمع إلى قوله تعالى :
« مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ
« 2 »
أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ »
« 3 » . وكأنّك تحسّ بسمعك صوت هذه الريح العاتية ، ولها صرير وصراخ وقعقعة وهياج ، تُنسف وتُدمّر كلّ شيء ، فتصوّر وقع عذاب شديد أَلمَّ بقوم ظالمين .
وهكذا عندما تُتلى عليك
« إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ . تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ »
« 4 » أو
« وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ »
« 5 » تجد وقع العذاب وشدّته من مضض هذه اللفظة عند اصطكاكها مع صماخ اذنك ، واللفظة مضاعفة بجرسها دلالة على مضاعفة العذاب .
وعندما تقرأ
« فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ . يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ . وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ . وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ . لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ . وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ . ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ . وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ . تَرْهَقُها قَتَرَةٌ . أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ »
« 6 » تجد وقع هذا الصراخ المدهش الذي يذيب القلوب وتذهل النفوس .
قال ابن عباس : « الصاخّة » صيحة القيامة ، سمّيت بذلك لأنّ صرختها تصخّ الآذان ، أي تدكّها دكّاً عنيفاً تكاد تصمّها . وهكذا اللفظة دلّت عليه برنّتها المرعدة ذات وقع صوتّي عنيف ، وكأنّك تشهد الموقف ، وقد فاجأتك صرخته .
هامش
( 1 ) . التصوير الفنّي : ص 72 .
( 2 ) . صاد حرف مستعل ومصمت ذو صفير ، وراء حرف مجهور منذلق ذو تكرير .
( 3 ) . آل عمران : 117 .
( 4 ) . القمر : 19 و 20 .
( 5 ) . الحاقة : 6 .
( 6 ) . عبس : 33 - 42 .