الجمل القصار ولا يكون إلّابحرف قويّ يستتبع القلقلة أو الصفير أو نحوهما ممّا هو موصوف بضروب أخرى من النظم الموسيقي .
وهذه هي طريقة الاستهواء الصوتي في اللغة ، وأثرها طبيعيّ في كلّ نفس ، فهي تشبه في القرآن الكريم أن تكون صوت إعجازه الذي يخاطب به كلّ نفس ، سواء كانت تفهمه أو لا تفهمه .
فقد تألّفت كلماته من حروف ، لو سقط واحد منها أو ابدل بغيره أو اقحم معه حرف آخر لكان ذلك خللًا بيّناً ، أو ضعفاً ظاهراً في نسق الوزن وفي جرس النغمة ، وفي حسّ السمع وذوق اللسان ، وفي انسجام العبارة وبراعة المخرج ، وتساند الحروف وإفضاء بعضها إلى بعض ، ولرأيت لذلك هجنة في السمع .
قالوا : إنّ مردّ هذا الإعجاز في القرآن بالدرجة الأولى هو ما يستثيره في القلب من إحساس غامض لمجرّد أن تصطفّ الحروف في السمع بهذا النمط الفريد ، ذلك العزف بلا آلات وبلا قوافٍ وبلا بحور وبلا أوزان .
حينما نصغي إلى ما يقوله زكريّا لربّه - فيما اقتصّ من القرآن - :
« قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا »
« 1 » .
أو نستمع إلى كلام المسيح في المهد صبيّاً :
« إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا . وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا »
« 2 » .
أو تلك الجملة الموسيقية التي تتحدث عن خشوع الرسل :
« إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا »
« 3 » .
أو تلك النغمة الرهيبة التي تصف اللقاء باللَّه يوم القيامة :
هامش
( 1 ) . مريم : 4 .
( 2 ) . مريم : 30 و 31 .
( 3 ) . مريم : 58 .