دقائق ونكات
ذكر جلال الدين السيوطي عن البارزيّ أنّه قال - في أوّل كتابه « أنوار التحصيل في أسرار التنزيل » - : اعلم أنّ المعنى الواحد قد يخبر عنه بألفاظ بعضها أحسن من بعض ، وكذلك كلّ واحد من جزءي الجملة قد يعبّر عنه بأفصح ما يلائم الجزء الآخر . . . ولا بدّ من استحضار معاني الجمل ، أو استحضار جميع ما يلائمها من الألفاظ ، ثم استعمال أنسبها وأفصحها .
واستحضار هذا متعذّر على البشر في أكثر الأحوال . . . وذلك عتيد حاصل في علم اللَّه تعالى . فلذلك كان القرآن أحسن الحديث وأفصحه . وإن كان مشتملًا على الفصيح والأفصح . والمليح والأملح .
ولذلك أمثلة :
منها : قوله تعالى :
« وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ »
« 1 » . لو قال مكانه : « وثمر الجنتين قريب » لم يقم مقامه من جهة الجناس بين « الجنى » و « الجنّتين » . ومن جهة أنّ الثمر لا يُشعر بمصيره إلى حال يُنجى فيها . ومن جهة مؤاخاة الفواصل « 2 » .
وتتلخّص ميزات الآية في وجوه أربعة :
أولًا : أنّ الثمر لفظ عام ، لا يدلّ على بلوغه أوان الاقتطاف ، على خلاف لفظ « الجنى » الذي هو الثمر الناضج الغضّ الطريّ اليانع ، فكان هذا الأخير أنسب .
ثانياً : المشاكلة والتجانس اللفظي بين « جنى » والشطر الأول من « الجنّتين » بالجيم والنون .
ثالثاً : كذلك التجانس بين « دان » والشطر الأخير من « الجنّتين » بالمدّ والنون ، مع مقاربة مخرج الدال والتاء .
هامش
( 1 ) . الرحمان : 54 .
( 2 ) . الإتقان : ج 4 ص 22 .