رذائل الأخلاق .
وهذا منهج حكيم وضع عليه أسلوب كلامه تعالى ، وأنّ مثله تعالى - ذا الكبرياء والعظمة - لا يمكن أن يكون له شبيه ، وأنّ الوجود لا يتسع لاثنين من جنسه « 1 » .
فجيء بأحد لفظي التشبيه ركناً في الدعوى ، وبالآخر دعامةً لها وبرهاناً عليها . وهذا من جميل الكلام ، وبديع البيان ، ومن الوجيز الوافي .
قال الزمخشري : قالوا : مثلك لا يبخل ، فنفوا البخل عن مثله ، وهم يريدون نفيه عن ذاته ، قصدوا المبالغة في ذلك فسلكوا به طريق الكناية ، لأنّهم إذا نفوه عمّن يسدّ مسدّه وعمّن هو على أخصّ أوصافه فقد نفوه عنه ، وهذا أبلغ من قولك : أنت لا تبخل .
ومنه قولهم : « قد أيفعت لدّاته » « 2 » و « بلغت أترابه » « 3 » . وفي الحديث « ألا وفيهم الطيّب الطاهر لدّاته » . وهذا ما تعطيه الكناية من الفائدة « 4 » .
آية القصاص
كانت العرب تعرف ما لهذه اللفظة ( القصاص ) من مفهوم خاص : « قَتْلُ من عَدَى على غيره فقتله بغير حق » . وكانت تعرف ما لهذه العقوبة ( مقابلة المعتدي بمثل ما اعتدى ) من أثر بالغ في ضمان الحياة العامّة .
لكنها عندما عمدت إلى وضع قانون يحدّ من جريمة القتل ، ويضمن للناس حياتهم ، وليكون رادعاً لمن أراد الإجرام فأزمعت بكلّيتها على وضع عبارة موجزة وافية بهذا المقصود الجلل وأجمعت آراؤهم على عقد الجملة التالية : « القتل أنفى للقتل » . غفلت عن لفظة « القصاص » واستعملت كلمة « القتل » مكانها ، ذهولًا عن أنها لا تفي بتمام المقصود ،
هامش
( 1 ) . النبأ العظيم : ص 128 .
( 2 ) . أيفع الغلام : ترعرع وناهز البلوغ ، فهو يافع . واللدّ : القرآن والخصم .
( 3 ) . الأتراب : جمع ترب بمعنى المتوافق في السنّ .
( 4 ) . تفسير الكشّاف : ج 4 ص 213 .