قولهم « القتل أنفى للقتل » إنّما هو « القصاص حياة » وهذا أقلّ حروفاً من ذلك ، ولبعده من الكلفة بالتكرير ، ولفظ القرآن بريء من ذلك . وبحسن التأليف ، وشدة التلاؤم المدرك بالحسّ ، لأنّ الخروج من الفاء إلى اللام أعدل من الخروج من اللام إلى الهمزة « 1 » .
وقال جلال الدين السيوطي : وقد فُضّلت الآية على قولة العرب بعشرين وجهاً أو أكثر ، وإن كان لا تشبيه بين كلام الخالق وكلام المخلوق ، وإنّما العلماء يقدحون أفهامهم فيما يظهر لهم من ذلك ، كما قال ابن الأثير . نذكر منها :
1 - في الآية إيجاز قصر ، من غير حاجة إلى تقدير . أمّا قولتهم فبحاجة إلى تقدير « من » لمكان أفعل التفضيل . وبذلك جاء الإبهام في قولتهم ، لأنّه يُسأل : من أيّ شيء ؟ فإن قدّر العموم فلعلّه غير مطّرد بالنسبة إلى جميع الموارد وجميع أفراد الناس .
2 - ثم الذي ينفي القتل ويوجب الحياة هي شريعة القصاص ، وهو قتل بإزاء قتل خاصّ دون مطلق القتل ، إذ ربَّ قتلة أوجبت قتلات ، كما في حرب البسوس طالت أربعين سنة .
3 - في الآية طباق ، جمعاً بين ضدّين : القصاص - وفيه إشعار بقتل - والحياة . وأيضاً فيها بداعة ، الضدّ أوجب ضدّه . ولا سيّما في تعريف القصاص وتنكير الحياة ، وفيه غرابة فائقة .
4 - قال الزمخشري : ومن إصابة محزّ البلاغة ، بتعريف القصاص وتنكير الحياة ، لأنّ المعنى : ولكم في هذا الجنس من الحكم - الذي هو شريعة القصاص - حياة عظيمة . وذلك أنّهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة « 2 » .
5 - وأمّا قولة العرب ، ففيها تناقض ظاهر ، إذا الشيء لا ينفي نفسه ، فكيف القتل ينفي القتل ؟ وأيضاً فيها تكرار ، وتقدير ، وتهويل بسبب تكرار لفظ القتل المؤذن بالوحشة .
أمّا الآية فاستبدلت من لفظ « القتل » الموحش بلفظ « القصاص » الموجب للتشفّي
هامش
( 1 ) . انظر الصناعتين : ص 175 ، وهامش المثل السائر : ج 2 ص 352 - 353 .
( 2 ) . راجع الكشاف : ج 1 ص 222 - 223 .