هذا الوليد بن المغيرة المخزومي - كبير قريش ورائدهم وقائدهم - استأمروه بشأن هذا الكلام الذي جاء به نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله ، فلم يستطع سوى الاعتراف بأنّه فوق مقدور البشر : فو اللَّه ما هو بشعر ولا بسحر ولا بهذي جنون ، وإنّ قوله من كلام اللَّه . . . « 1 » . وهو القائل : « وواللَّه إنّ لقوله الذي يقول لحلاوة ، وإنّ عليه لطلاوة ، وإنّه لمثمر أعلاه ، مغدق أسفله ، وإنّه ليعلو وما يُعلى « 2 » . وهذا إنذار من رأس الكفر بأنّ الغلب سوف يكون مع القرآن .
وقد حاولوا الممانعة دون صيته والحؤول دون شياعه ، وقالوا :
« لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ »
« 3 » . وكانوا يستغشون ثيابهم ويضعون أصابعهم في آذانهم خشية سماعه ، أو يحشون مسامع الوفود بالخرق والكراسف لئلّا يستمعوا إلى حديثه ، لماذا ؟ إنّهم أدركوا هيمنته ولمسوا من واقعه الناصع ، فهابوه وخافوا سطوته ، فقد أعجزتهم مقابلته بالكلام وألجأتهم أخيراً إلى ركوب الصعب من مطايا الحتوف بمقارعة الأسنّة والسيوف .
لكن
« وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ »
« 4 » .
والآية الأغرب ، والمعجزة الأعجب ، ذلك حكمه الباتّ على أنّهم لن يأتوا بمثله
« وَلَنْ تَفْعَلُوا »
أبداً . إنّه إعجاز في صراحة وجرأة يفوق سائر الإعجاز ، وإخبار عن غيب محتّم ، لا يصدر إلّاعن علّام الغيوب ، ولا يجرأ على النطق به أحد من البشر مهما أوتي من علم وقدرة وهيمنة .
بل وحكمه العامّ الشامل لكافّة طبقات الأُمم عبر الخلود ، لا يستطيعون جميعاً أن يأتوا
هامش
سمعوا قول اللَّه عزّ وجلّ :« وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ »هود : 44 ، يئسوا ممّا طمعوا فيه ، وعلموا أنّه ليس بكلام مخلوق . ( وراجع مجمع البيان : ج 5 ص 145 ) .
( 1 ) . تفسير الطبري : ج 29 ص 98 .
( 2 ) . مستدرك الحاكم : ج 2 ص 50 .
( 3 ) . فصّلت : 26 .
( 4 ) . يونس : 82 .