ولم يمانعهم التنافس فيه ، صارخاً ومتحدّياً لهم أفراداً وجماعات ، لو يأتوا بحديث مثله ! وقد عرض عليهم هذا التحدّي الصارخ في جرأة خارقة وصراحة بالغة ، مكرّراً عليهم ومتهكّماً بهم : أنّهم أعجز من أن تقوم قائمتهم تجاه صوت القرآن المدوّي المدهش ، وقد تنازل معهم إلى الأخفّ فالأخفّ ، تبيينا لموقف عجزهم وضعف مقدرتهم : أوّلًا : « فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ » « 1 » . ثانياً : « فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ » « 2 » . ثالثاً : « فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ » « 3 » . وأخيراً أجهز عليهم بحُكمه الباتّ : « فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ » « 4 » فقد أنذرهم بالنار وساوى بينهم وبين الأحجار . هذا ، ولم يكن العرب يومذاك أهل كسل وملل في الكلام والخصام ، وقد تربّوا في أحضان الخصومة وكانوا أهل لدد وجدل ، كما وصفهم تعالى : « وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا » « 5 » ، وقال : « ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ » « 6 » . فلو كانت فيهم قدرة على المعارضة أو لسان لم يخرسه العجز والعيّ لما صمتوا على ذلّ العار أو سكتوا على شنار الصغار ، وقد أصاب منهم موضع عزّهم ومحلّ فخارهم ، وهزمهم بذات سلاحهم ، ولم تكن الهزيمة الشنعاء إلّالأنّهم وجدوا من أنفسهم ضآلة وحقارة ، تجاه عظمة القرآن وهيمنته وكبريائه ، « فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً » « 7 » « 8 » .
تلخيص التمهيد — صفحة 17
مساهمون: الشيخ محمد هادي معرفة
ص١٧
هامش
( 1 ) . الطور : 34 .
( 2 ) . هود : 13 .
( 3 ) . يونس : 38 .
( 4 ) . البقرة : 24 .
( 5 ) . مريم : 97 .
( 6 ) . الزخرف : 58 .
( 7 ) . الكهف : 97 .
( 8 ) . إنّهم حاولوا معارضته ومقابلة فصيح كلامه ، غير أنّ الحظّ لم يساعدهم ولم يرافقهم التوفيق ، فقد أعوزتهم الكفاءة وتقاعست عنه هممهم لمّا رأوا شموخ طوده الرفيع . قال ابن رشيق في العمدة : ج 1 ص 211 : ولمّا أرادت قريش معارضة القرآن فصحاؤهم الذين تعاطوا ذلك ، على لباب البرّ وسلاف الخمر ولحوم الظأن والخلوة إلى أن بلغوا مجهودهم ، فلمّا