على أصول مذهبهم في المعتقدات ، ومن ثمّ رمي بالزندقة والإلحاد .
يقال : إنّه وضع كتابه « الفرند » طعناً في الدين ذكر فيه : أنّ المسلمين احتجّوا لنبوّة نبيّهم بالقرآن الذي تحدّى به النبيُّ فلم تقدر العرب على المعارضة . فيقال لهم : أخبرونا لو ادّعى مدّع لمن تقدّم من الفلاسفة مثل دعواكم في القرآن ، فقال : الدليل على صدق بطلميوس أو أقليدس أنّ أقليدس ادّعى أنّ الخلق يعجزون عن أن يأتوا بمثل كتابه ، أكانت نبوّته تثبت ؟ « 1 » .
لكن يظهر من مناظراته مع أرباب الجدل أنّ كلماته مثل هذه إنّما قالها جدلًا وإفحاماً لدليل الخصم ، لا لعقيدة الخلاف واقعاً . انظر إلى ما نقله صاحب كتاب « معاهد التخصيص » عن مناظرة وقعت بينه وبين أبي علي الجبائي رئيس المعتزلة في وقته . قال له ابن الراوندي : ألا تسمع شيئاً من معارضتي للقرآن ؟ قال الجبائي : أنا أعلم بمخازى علومك ، ولكن أحاكمك إلى نفسك ، فهل تجد في معارضتك له عذوبة وهشاشة وتشاكلًا وتلاؤماً ونظماً كنظمِهِ وحلاوةً كحلاوته ؟ قال : لا واللَّه . قال : قد كفيتني ، فانصرف حيث شئت .
قال الرافعي : أمّا ما قيل من معارضته للقرآن فلم يعلم منها شيء سوى هذه المناظرة « 2 » .
قلت : على فرض صحّتها فهي صريحة في عقيدته بكبرياء القرآن وعظمته الخارقة ، ومن ثمّ فهي على العكس أدلّ ، وأنّه إنّما جارى الخصوم في أنّه هل يمكن المعارضة أم لا ؟
هذا وقد رمي إلى الرفض والتشيّع ، رفضاً لعقائد أهل السنّة القائلين بالجبر والقدر ، ولعلّه شايع مذهب أهل البيت عليهم السلام في مسائل العقيدة الإسلامية الأُولى .
وكيف كان ، فلم يثبت أنّه عارض القرآن أو حاول معارضته ، مع أنّه الرجل العالم العارف بمواقع الكلام .
هامش
( 1 ) . تأريخ أبي الفداء « المختصر في أخبار البشر » : ج 2 ص 61 .
( 2 ) . الإعجاز : ص 183 بالهامش .